صحة وعلوم

نظام "الطيبات".. خدعة غذائية وإعلامية سامة

الطيب حمضي (طبيب وباحث في السياسات والنظم الصحية)
ان‭ ‬بروتوكول ‭ ‬‮«‬الطيبات‮»‬‭ ‬ ليس‭ ‬مجرد‭ ‬نظام‭ ‬غذائي‭ ‬فانتازي،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬في‭ ‬الواقع‭ ‬نظام‭ ‬من‭ ‬التضليل‭ ‬الربحي‭ ‬والأيديولوجي‭ ‬الذي‭ ‬يستغل‭ ‬اللغة‭ ‬الطبية‭ ‬لفرض‭ ‬ممارسات‭ ‬غذائية‭ ‬تتناقض‭ ‬مع‭ ‬أكثر‭ ‬الإجماعات‭ ‬العلمية‭ ‬رصانة،‭ ‬مع‭ ‬عواقب‭ ‬موثقة‭ ‬على‭ ‬مرضى‭ ‬مستضعفين‭. ‬إن‭ ‬الانتشار‭ ‬الواسع‭ ‬لهذا‭ ‬الظاهرة‭ ‬في‭ ‬المغرب‭ ‬هو‭ ‬عرض‭ ‬لخلل‭ ‬مزدوج‭: ‬عجز‭ ‬نظام‭ ‬الصحة‭ ‬عن‭ ‬التواصل،‭ ‬وفشل‭ ‬المنصات‭ ‬الرقمية‭ ‬في‭ ‬التقنين‭.‬‮ ‬

ما‭ ‬هو‭ ‬بروتوكول‭ ‬«الطيبات»؟‮ ‬

هذا‭ ‬البروتوكول‭ ‬اقترحه‭ ‬الدكتور‭ ‬ضياء‭ ‬العوضي،‭ ‬وهو‭ ‬طبيب‭ ‬مصري‭ ‬واستشاري‭ ‬في‭ ‬التغذية‭ ‬العلاجية‭. ‬يعتمد‭ ‬نظامه‭ ‬على‭ ‬ثنائية‭ ‬«أخلاقية-فسيولوجية»،‭ ‬تصنف‭ ‬الأطعمة‭ ‬إلى:‭ ‬أطعمة‭ ‬تسمى‭ ‬«خبيثة‭ ‬وسامة»‭ ‬يجب‭ ‬إلغاؤها‭ ‬تماماً،‭ ‬مثل‭ ‬الدجاج،‭ ‬ومعظم‭ ‬منتجات‭ ‬الألبان،‭ ‬والزيوت‭ ‬النباتية،‭ ‬والسكر‭ ‬الأبيض،‭ ‬والبقوليات،‭ ‬والخضروات‭ ‬النيئة‭ ‬والأوراق‭ ‬الخضراء،‭ ‬والحمضيات،‭ ‬وأطعمة‭ ‬تسمى‭ ‬«شافية»‭ ‬مثل‭ ‬الأرز،‭ ‬والبطاطس،‭ ‬والتمر،‭ ‬والعسل،‭ ‬وزيت‭ ‬الزيتون،‭ ‬والسمن،‭ ‬واللحوم‭ ‬الحمراء‭ ‬وبعض‭ ‬الفواكه‭.‬‮ ‬

توفي‭ ‬العوضي‭ ‬في‭ ‬19‭ ‬أبريل‭ ‬2026‭ ‬في‭ ‬دبي‭ ‬إثر‭ ‬توقف‭ ‬قلبي‭ ‬مفاجئ‭ ‬عن‭ ‬عمر‭ ‬يناهز‭ ‬47‭ ‬عاماً‭. ‬وهذا‭ ‬التفصيل‭ ‬ليس‭ ‬بلا‭ ‬معنى‭ ‬من‭ ‬الناحية‭ ‬الطبية‭.‬‮ ‬

ماذا‭ ‬يقول‭ ‬العلم‭ ‬حقاً؟

 إن‭ ‬بروتوكوله‭ ‬يسير‭ ‬عكس‭ ‬العلم‭ ‬وعكس‭ ‬النظام‭ ‬الغذائي‭ ‬المتوسطي‭ ‬الذي‭ ‬أثبتت‭ ‬مئات‭ ‬التجارب‭ ‬السريرية‭ ‬فاعليته‭ ‬وملاءمته‭ ‬لنمط‭ ‬حياتنا‭ ‬المغربي‭.‬

استبعاد‭ ‬البقوليات‭ ‬والخضروات‭ ‬النيئة‭ ‬والحبوب‭ ‬الكاملة‭:‬‭ ‬كارثة‭ ‬للميكروبيوم هذه‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أخطر‭ ‬نقاط‭ ‬البروتوكول‭. ‬فعقود‭ ‬من‭ ‬البحث‭ ‬في‭ ‬طب‭ ‬الجهاز‭ ‬الهضمي‭ ‬وعلم‭ ‬الأحياء‭ ‬الدقيقة‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬الألياف‭ ‬النباتية‭ ‬«البقوليات،‭ ‬الحبوب‭ ‬الكاملة،‭ ‬الخضروات»‭ ‬هي‭ ‬الركيزة‭ ‬الأساسية‭ ‬للميكروبيوم‭ ‬Microbiome‭ ‬المعوي‭. ‬وإلغاؤها‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬اختلال‭ ‬في‭ ‬التوازن‭ ‬البكتيري،‭ ‬والتهاب‭ ‬مزمن،‭ ‬وزيادة‭ ‬خطر‭ ‬الإصابة‭ ‬بسلطان‭ ‬القولون‭ ‬والمستقيم‭. ‬ولا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬تجربة‭ ‬سريرية‭ ‬أو‭ ‬بيانات‭ ‬منشورة‭ ‬في‭ ‬مجلة‭ ‬علمية‭ ‬محكمة‭ ‬تدعم‭ ‬ادعاءات‭ ‬هذا‭ ‬البروتوكول‭.‬‮ ‬

البروتوكول‭ ‬ينصح‭ ‬بالأكل‭ ‬حتى‭ ‬الشبع‭ ‬دون‭ ‬الاهتمام‭ ‬بالسعرات‭ ‬الحرارية‭.‬

وهذا‭ ‬مخالف‭ ‬للعلم:‭ ‬فأي‭ ‬نظام‭ ‬غدائي‭ ‬يجب‭ ‬أن‭ ‬يستجيب‭ ‬لاحتياجات‭ ‬الشخص‭ ‬حسب‭ ‬سنه،‭ ‬واحتياجاته‭ ‬المرتبطة‭ ‬بأنشطته‭ ‬وحالته‭ ‬الصحية‭ ‬بطريقة‭ ‬متنوعة‭ ‬ومتوازنة‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬نصح‭ ‬الناس‭ ‬بالأكل‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬وقت،‭ ‬هو‭ ‬أكل‭ ‬عشوائي‭ ‬أو‭ ‬أكل‭ ‬مستمر‭ ‬(grignotage) المعروف‭ ‬بأضراره‭ ‬على‭ ‬الصحة‭.‬‮ ‬

ينصح‭ ‬بعدم‭ ‬شرب‭ ‬الماء‭ ‬إلا‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬العطش‭ ‬بينما‭ ‬يُنصح‭ ‬بشرب‭ ‬الماء‭ ‬بانتظام‭ ‬وخاصة‭ ‬عدم‭ ‬انتظار‭ ‬الشعور‭ ‬بالعطش،‭ ‬لأن‭ ‬ذلك‭ ‬مضر‭ ‬للجميع‭ ‬وخاصة‭ ‬الرضع‭ ‬والمسنين‭. ‬هؤلاء‭ ‬الآخرون‭ ‬لا‭ ‬يشعرون‭ ‬بالعطش،‭ ‬وبالتالي‭ ‬فإن‭ ‬ذلك‭ ‬يؤدي‭ ‬إلى‭ ‬جفاف‭ ‬صريح‭ ‬بكل‭ ‬خطورته‭.‬‮ ‬

الترويج‭ ‬للدهون‭ ‬المشبعة‭ ‬بدون‭ ‬حدود‭= ‬مخاطر‭ ‬قلبية‭ ‬ثابتة

هذا‭ ‬النظام‭ ‬يفضل‭ ‬استهلاك‭ ‬اللحوم‭ ‬الحمراء،‭ ‬والدهون‭ ‬الحيوانية،‭ ‬وبعض‭ ‬الأجبان‭ ‬والنشويات‭. ‬ومثل‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭ ‬الغذائي‭ ‬يعزز‭ ‬ارتفاع‭ ‬الكوليسترول‭ ‬الضار (LDL)،‭ ‬وهو‭ ‬العامل‭ ‬الرئيسي‭ ‬لأمراض‭ ‬القلب‭ ‬والشرايين‭. ‬ومن‭ ‬المثير‭ ‬للقلق‭ ‬علمياً‭ ‬وأخلاقياً‭ ‬أن‭ ‬طبيباً‭ ‬يروج‭ ‬لتغذية‭ ‬محملة‭ ‬بكتلة‭ ‬هائلة‭ ‬من‭ ‬الدهون‭ ‬المشبعة‭ ‬يتوفى‭ ‬هو‭ ‬نفسه‭ ‬بجلطة‭ ‬في‭ ‬عضلة‭ ‬القلب‭ ‬في‭ ‬سن‭ ‬الـ‭ ‬47‭.‬‮ ‬

ادعاءات‭ ‬خطيرة‭ ‬تتجاوز‭ ‬التغذية‮ ‬

كان‭ ‬الدكتور‭ ‬العوضي‭ ‬يصرح‭ ‬في‭ ‬فيديوهات‭ ‬واسعة‭ ‬الانتشار‭ ‬بأن‭ ‬التبغ‭ ‬غير‭ ‬مضر،‭ ‬وأن‭ ‬الأنسولين‭ ‬«خدعة»،‭ ‬وأن‭ ‬السكر‭ ‬غير‭ ‬خطير‭. ‬هذه‭ ‬الادعاءات‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬خاطئة،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬قاتلة‭. ‬فقد‭ ‬قررت‭ ‬أمهات‭ ‬لأطفال‭ ‬سكريين‭ ‬إيقاف‭ ‬علاجات‭ ‬الأنسولين‭ ‬لأطفالهن‭ ‬لاتباع‭ ‬نظامه،‭ ‬مقتنعات‭ ‬بأنه‭ ‬يشفي‭ ‬السكري‭ ‬نهائياً‭.‬‮ ‬

منع‭ ‬البيض،‭ ‬ومنتجات‭ ‬الألبان‭ ‬والخضروات‭ ‬النيئة‮ ‬

تشكل‭ ‬هذه‭ ‬الفئات‭ ‬الثلاث‭ ‬ركائز‭ ‬تغذوية‭ ‬معترف‭ ‬بها‭ ‬عالمياً‭. ‬فالبيض‭ ‬يوفر‭ ‬بروتينات‭ ‬كاملة،‭ ‬والكولين‭ ‬«للجهاز‭ ‬العصبي»،‭ ‬وفيتامينات‭ ‬B‭ ‬وD‭. ‬والخضروات‭ ‬النيئة‭ ‬تحافظ‭ ‬على‭ ‬الفيتامينات‭ ‬الحساسة‭ ‬للحرارة‭ ‬(C, B9).‭ ‬ومنتجات‭ ‬الألبان‭ ‬مصدر‭ ‬رئيسي‭ ‬للكالسيوم‭ ‬وفيتامين‭ ‬D،‭ ‬خاصة‭ ‬لدى‭ ‬الفئات‭ ‬المعرضة‭ ‬لخطر‭ ‬هشاشة‭ ‬العظام‭.‬‮ ‬

غياب‭ ‬تام‭ ‬للأدلة‭ ‬السريرية‮ ‬

لا‭ ‬توجد‭ ‬أي‭ ‬دراسة‭ ‬سريرية‭ ‬مراقبة‭ ‬أو‭ ‬مراجعة‭ ‬منهجية‭ ‬تدعم‭ ‬فاعليته‭ ‬أو‭ ‬سلامته‭ ‬على‭ ‬المدى‭ ‬الطويل‭. ‬وقد‭ ‬حذر‭ ‬خبراء‭ ‬التغذية‭ ‬صراحة‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬النظام،‭ ‬معتبرين‭ ‬إياه‭ ‬مجهوداً‭ ‬شخصياً‭ ‬غير‭ ‬مبني‭ ‬على‭ ‬أدلة‭ ‬علمية‭ ‬موثوقة‭. ‬وكانت‭ ‬إجابته‭ ‬على‭ ‬أسئلة‭ ‬نقابة‭ ‬الأطباء‭ ‬المصرية‭ ‬لتقديم‭ ‬أساس‭ ‬علمي‭ ‬لادعاءاته‭ ‬تتلخص‭ ‬في‭ ‬جملة‭ ‬واحدة:‭ ‬«في‭ ‬المستقبل‭ ‬سيتم‭ ‬إثبات‭ ‬هذه‭ ‬القواعد»‭.‬‮ ‬

العواقب‭ ‬الموثقة‮ ‬

توفي‭ ‬مرضى‭ ‬بعد‭ ‬اعتماد‭ ‬هذا‭ ‬النظام‭. ‬ورداً‭ ‬على‭ ‬ذلك،‭ ‬فرضت‭ ‬مصر‭ ‬في‭ ‬3‭ ‬مايو‭ ‬2026‭ ‬تعتيماً‭ ‬إعلامياً‭ ‬كاملاً‭ ‬على‭ ‬جميع‭ ‬المحتويات‭ ‬السمعية‭ ‬أو‭ ‬البصرية‭ ‬أو‭ ‬المكتوبة‭ ‬المتعلقة‭ ‬بالعوضي،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬أكدت‭ ‬وزارة‭ ‬الصحة‭ ‬ونقابة‭ ‬الأطباء‭ ‬أن‭ ‬محتوياته‭ ‬«مضرة‭ ‬بالصحة‭ ‬العامة‭ ‬وتمثل‭ ‬تهديداً‭ ‬مباشراً‭ ‬لحياة‭ ‬المواطنين»‭.‬‮ ‬

البوز‭ ‬Buzz‭ ‬يدر‭ ‬الأرباح‮ ‬

نصائحه‭ ‬ليست‭ ‬فقط‭ ‬غير‭ ‬مثبتة‭ ‬أو‭ ‬مبنية‭ ‬علمياً،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬ومن‭ ‬المفارقات،‭ ‬مصاغة‭ ‬تماماً‭ ‬لتكون‭ ‬عكس‭ ‬القواعد‭ ‬العلمية‭ ‬المعمول‭ ‬بها‭. ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬استبعاد‭ ‬البحث‭ ‬عن‭ ‬«البوز»‭ ‬الإعلامي‭ ‬في‭ ‬وسائل‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي،‭ ‬الذي‭ ‬يدر‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأرباح‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬صاحب‭ ‬البروتوكول‭ ‬قد‭ ‬أسس‭ ‬مشروعاً‭ ‬تجارياً‭ ‬موازياً‭ ‬لبيع‭ ‬منتجات‭ ‬لجمهوره‭ ‬يفترض‭ ‬أنها‭ ‬من‭ ‬«الطيبات»‮ ‬

لماذا‭ ‬يتبنى‭ ‬بعض‭ ‬الناس‭ ‬هذا‭ ‬النوع‭ ‬من‭ ‬المحتوى‭ ‬بدون‭ ‬تفكير؟

 هذا‭ ‬هو‭ ‬السؤال‭ ‬الأهم،‭ ‬ويستحق‭ ‬إجابة‭ ‬صريحة‭.‬‮ ‬

ازمة‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬الطب‭ ‬المؤسساتي‭:‬‭ ‬جزء‭ ‬كبير‭ ‬من‭ ‬السكان،‭ ‬وخاصة‭ ‬الطبقات‭ ‬الهشة‭ ‬والمتوسطة‭ ‬والأشخاص‭ ‬المصابين‭ ‬بأمراض‭ ‬مزمنة‭ ‬لا‭ ‬يتم‭ ‬التكفل‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬جيد،‭ ‬يشعرون‭ ‬بخيبة‭ ‬أمل‭ ‬عميقة‭ ‬تجاه‭ ‬النظام‭ ‬الصحي‭. ‬هذا‭ ‬الإحباط‭ ‬المشروع‭ ‬يخلق‭ ‬تربة‭ ‬خصبة‭ ‬للخطابات‭ ‬البديلة‭. ‬الكلام‭ ‬الفانتازي‭ ‬والنصائح‭ ‬الخاطئة‭ ‬تقدم‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬يقدمه‭ ‬الكثير‭ ‬من‭ ‬الأطباء:‭ ‬الوقت،‭ ‬والإنصات،‭ ‬وتفسيراً‭ ‬سردياً،‭ ‬وسببا»‭ ‬للمرض‭.‬‮ ‬

غياب‭ ‬التأمين‭ ‬الصحي‭ ‬أو‭ ‬فشله‭ ‬«التكلفة‭ ‬المتبقية‭ ‬على‭ ‬جيب‭ ‬المرض‭ ‬باهظ»‭ ‬لدى‭ ‬فئة‭ ‬ذات‭ ‬إمكانيات‭ ‬محدودةً،‭ ‬يدفع‭ ‬ذلك‭ ‬نحو‭ ‬تبني‭ ‬حلول‭ ‬بسيطة،‭ ‬غير‭ ‬مكلفة،‭ ‬وواعدة‭ ‬بحلول‭ ‬سحرية‭.‬‮ ‬

التوظيف‭ ‬الديني‭ ‬والثقافي‭:‬‭ ‬استخدام‭ ‬مصطلحات‭ ‬دينية،‭ ‬أو‭ ‬مرجعية‭ ‬قرآنية،‭ ‬يرسخ‭ ‬الكلام‭ ‬في‭ ‬سجل‭ ‬أخلاقي‭ ‬وروحي،‭ ‬مما‭ ‬يجعل‭ ‬النقد‭ ‬الطبي‭ ‬يُنظر‭ ‬إليه‭ ‬كأنه‭ ‬هجوم‭ ‬ثقافي‭ ‬أو‭ ‬ديني‭. ‬وهو‭ ‬أسلوب‭ ‬بلاغي‭ ‬فعال‭ ‬بشكل‭ ‬خاص‭.‬‮ ‬

الثقافة‭ ‬المناهضة‭ ‬للمنظومة‭ ‬والخطاب‭ ‬المؤامراتي‭:‬‭ ‬وضع‭ ‬الخطاب‭ ‬ضد‭ ‬«شركات‭ ‬الأدوية‭ ‬الكبرى» (Big Pharma)،‭ ‬والصناعة‭ ‬الغذائية‭ ‬والطب‭ ‬الفاسد‭ ‬يجذب‭ ‬الانتباه‭ ‬ويغذي‭ ‬«اقتصاد‭ ‬النقرة»‭ ‬وسردية‭ ‬الاضطهاد‭ ‬والبطولة‭ ‬والاستشهاد‭ ‬تقوي‭ ‬الروابط‭ ‬مع‭ ‬«المريدين»‭ ‬بدلاً‭ ‬من‭ ‬التحقق‭ ‬من‭ ‬هذا‭ ‬الاضطهاد‭ ‬المزعوم‭ ‬أو‭ ‬التساؤل‭ ‬عنه‭.‬‮ ‬

بعض‭ ‬الفئات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬تستهلك‭ ‬مثل‭ ‬هذه‭ ‬الادعاءات‭ ‬بسهولة‭ ‬تامة‭: ‬ثقافة‭ ‬ونظام‭ ‬تعليمي‭ ‬مبنيان‭ ‬على‭ ‬التلقين‭ ‬وليس‭ ‬التحليل‭. ‬الاعتماد‭ ‬على‭ ‬«نسخ‭ ‬لصق»،‭ ‬و«الابتلاع»‭ ‬دون‭ ‬تحليل،‭ ‬ودون‭ ‬قراءة‭ ‬نقدية،‭ ‬مع‭ ‬وضع‭ ‬«العقل»‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬راحة‭ ‬أو‭ ‬تقاعد‭. ‬نحن‭ ‬لا‭ ‬ننتقد،‭ ‬بل‭ ‬نستهلك: «النقل‭ ‬وليس‭ ‬العقل» في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬الاخبار‭ ‬ووسائط‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭.‬

الانحيازات‭ ‬المعرفية‭ ‬التي‭ ‬تضخمها‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭:‬‭ ‬خوارزميات‭ ‬تيك‭ ‬توك،‭ ‬يوتيوب،‭ ‬إنستغرام‭ ‬وفيسبوك‭ ‬تفضل‭ ‬المحتويات‭ ‬العاطفية‭ ‬والمستقطبة‭ ‬وغير‭ ‬البديهية‭. ‬فالمؤثر‭ ‬الذي‭ ‬يقول‭ ‬«الدجاج‭ ‬يقتلكم»‭ ‬يحقق‭ ‬انتشاراً‭ ‬أوسع‭ ‬من‭ ‬أخصائي‭ ‬تغذية‭ ‬يشرح‭ ‬التوازن‭ ‬الغذائي‭. ‬وشهادات‭ ‬النجاح‭ ‬«الحقيقية‭ ‬أو‭ ‬المزيفة»‭ ‬تنتشر‭ ‬بكثافة،‭ ‬بينما‭ ‬تظل‭ ‬الحالات‭ ‬الخطيرة‭ ‬صامتة‭.‬‮ ‬

ضعف‭ ‬التواصل‭ ‬العلمي‭ ‬العمومي‭:‬‭ ‬الأطباء‭ ‬والمهنيون‭ ‬الصحيون‭ ‬الآخرون‭ ‬في‭ ‬غالبيتهم‭ ‬غير‭ ‬موجودين‭ ‬على‭ ‬شبكات‭ ‬التواصل‭ ‬الاجتماعي‭ ‬بطريقة‭ ‬بيداغوجية‭ ‬وميسرة‭. ‬ويتم‭ ‬ملء‭ ‬الفراغ‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬مؤثرين‭ ‬غير‭ ‬مؤهلين‭. ‬هناك‭ ‬عجز‭ ‬هيكلي‭ ‬في‭ ‬التبسيط‭ ‬الطبي‭ ‬بالدارجة،‭ ‬أو‭ ‬العربية‭ ‬أو‭ ‬الفرنسية‭ ‬البسيطة‭.‬‮ ‬

إن‭ ‬حماية‭ ‬الصحة‭ ‬العامة‭ ‬مسؤولية‭ ‬مشتركة‭ ‬تتطلب‭ ‬تدخلاً‭ ‬حازماً‭ ‬من‭ ‬الدولة‭ ‬والمجتمع‭ ‬لرفع‭ ‬مستوى‭ ‬الوعي‭ ‬والتصدي‭ ‬للتضليل‭.‬‮ ‬