مجتمع وحوداث

بين 'الغشاش' وجهاز الكشف.. من الذي سقط في الاختبار الأخلاقي؟

عتيقة الموساوي​

​من "الغشاش.."؟ السؤال ليس تقنياً، بل هو أخلاقي بامتياز. حين نملأ قاعات الامتحانات بأجهزة "كشف الهواتف"، فنحن لا نحارب الغش، بل نعترف بعجزنا عن تربية "الإنسان". إنها محاولة يائسة لعلاج "عطب أخلاقي" بـ "أداة إلكترونية"، والنتيجة كانت واضحة: سخرية التلاميذ من الأجهزة، وتحويل لحظة التقييم الوطني إلى "حلبة تلاعب" جديدة.

​اللعبة التي خسرناها: عندما تتحول المؤسسة التعليمية إلى "شرطي" يطارد الهواتف، ويسقط في فخ الترهيب التقني، فإنها تفقد هيبتها فوراً. التلاميذ اكتشفوا الخدعة، فدخلوا الامتحانات محملين بالهواتف ضاحكين من "جهاز الرعب"؛ لأنهم أدركوا أن النظام التعليمي نفسه لا يثق في أدواته، بل يراهن على "الخوف" لا على "الضمير".

​أين الخلل؟ الخلل ليس في جيب التلميذ، بل في "عقلية" المسؤول الذي يظن أن الغش يولد في الهاتف. الغش يولد في بيئة تفتقد للنزاهة، حيث يرى التلميذ القدوة (في محيطه أو في أعلى الهرم) يتسلق المراتب بالالتفاف والمحسوبية. التلميذ هنا ليس سوى "مرآة" لواقعٍ يغش فيه الكبار علانية، ثم يُحاسب الصغار سراً. نحن أمام أزمة "أمانة"؛ فكيف ننتظر من تلميذٍ أن ينزه نفسه، بينما يرى في محيطه نماذج تعتبر الغش "ذكاءً"؟ إن الغش ليس مجرد "نقل" لإجابة، بل هو استباحة لحق الآخر، وتزييف لمستقبل وطن.

​اليوم، نحن في خلاصة الأمر، في أمس الحاجة إلى "ثورة ضمير" لا تستهدف الهواتف، بل تستهدف العقليات. إن بناء مجتمع صاعد مسؤول يبدأ من لحظة إدراك أن "النزاهة" ليست خوفاً من جهاز كشف، ولا تجنباً لعقوبة قانونية، بل هي رقابة ذاتية يمارسها الفرد حين لا يراه أحد.

​لنترك جانباً هذه الاستعراضات التقنية التي أثبتت فشلها، ولنلتفت إلى جوهر التربية. فالامتحان الحقيقي ليس في الورقة التي يملؤها التلميذ، بل في "القيم" التي يحملها بين جوانحه. إن المجتمع الذي ننشده— المسؤول، الواعي، والراقي —هو الذي يربّي أبناءه على أن "المعدل" الذي لا تُبنى لبناته بصدق الجهد، هو سقوطٌ أخلاقي لا ترفعه كل شهادات العالم. فالمغرب الذي نرتقي به، هو الذي يدرك فيه المسؤول قبل التلميذ، أن أعظم أجهزة الكشف هو "الضمير اليقظ".