سياسة واقتصاد

ماذا تعني السياسة في المغرب؟ من الوساطة التقليدية إلى أزمة التمثيل

إدريس الفينة (محلل اقتصادي)

لا تعني السياسة في المغرب الشيء نفسه عند المواطن والحزب والدولة. فهي عند الدولة أداة لضمان الاستقرار وتدبير التحولات، وعند الحزب وسيلة للوصول إلى المؤسسات، بينما يراها المواطن مجالاً للحصول على الحقوق والخدمات والاعتراف. ومن هنا يتشكل حقل سياسي مركب، تتداخل فيه المواطنة مع الولاء، والبرنامج مع الشخص، والانتخاب مع الوساطة.


تاريخياً، ارتبطت السياسة في المغرب بالبيعة والمخزن والقبيلة والأعيان. وكان الفاعل السياسي هو القادر على التفاوض مع مركز السلطة وحماية جماعته. وخلال الحماية، تحولت السياسة إلى مقاومة للاستعمار وبناء للوطن، وأصبح الحزب مدرسة للنضال والتكوين. وبعد الاستقلال، انتقل الصراع إلى تحديد من يملك شرعية قيادة الدولة: المؤسسة الملكية، أم الحركة الوطنية، أم المؤسسات المنتخبة.


ومع دستور 2011، توسع معنى السياسة ليشمل المواطنة والمشاركة وربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن الثقافة السياسية لم تتغير بالسرعة نفسها؛ إذ استمرت الوساطة والشخصنة والولاءات المحلية داخل المؤسسات الحديثة.


مثلت انتخابات 2021 تحولاً مهماً، لأنها كرست الانتقال من السياسة الإيديولوجية إلى السياسة التدبيرية. لم يعد السياسي يقدم نفسه أساساً كمناضل أو حامل مشروع فكري، بل كمدير قادر على الإنجاز. وهكذا برزت “الشرعية الإنجازية”، حيث أصبحت الحكومة مطالبة بإثبات قدرتها على خلق الشغل، وحماية القدرة الشرائية، وتحسين الصحة والتعليم.


غير أن هذا التحول أضعف النقاش السياسي حول الاختيارات المجتمعية الكبرى. فالبطالة والفوارق والتعليم لم تعد تقدم دائماً كقضايا سياسية مرتبطة بتوزيع السلطة والثروة، بل كمشكلات تقنية تحتاج إلى تدبير.


أما الأحزاب، فتعيش تناقضاً بين دورها الدستوري في التأطير وصياغة البرامج، ودورها الواقعي كشبكات انتخابية تعتمد على الأعيان والمرشحين القادرين على الفوز. لذلك يبتعد جزء من الشباب عن الأحزاب، من دون أن يبتعد عن السياسة نفسها.


وقد أظهرت التعبئات الرقمية الأخيرة أن جيلاً جديداً يمارس السياسة خارج التنظيمات التقليدية. فهو ينطلق من قضايا الصحة والتعليم والشغل، ويعتمد الشبكات الاجتماعية، ولا ينتظر قيادة حزبية. لكن هذا الشكل من الاحتجاج، رغم قدرته على التعبئة، يظل ضعيفاً في بناء البرامج والتفاوض وإنتاج البدائل.


أزمة السياسة في المغرب اليوم ليست غياب المؤسسات، بل ضعف الثقة في قدرتها على التمثيل. المواطن يريد أن يرى أثر صوته في حياته، والشباب يريدون مؤسسات تستحق الانتماء إليها.


لذلك يظل التحدي هو الانتقال من المواطن المستفيد إلى المواطن الشريك، ومن حزب التزكيات إلى حزب الأفكار، ومن غموض المسؤولية إلى وضوح المحاسبة، حتى تصبح السياسة أداة حقيقية لصناعة المستقبل.