فن وإعلام

فتنة الكتابة ورشاقة الكاتب

أحمد الطاهري (صحفي/كاتب)

كلما قرأت إنتاجا جديدا للصديق الكاتب هشام ناجح، كلما ازداد إعجابي المدموغ بكثير من الدهشة، إن لم أقل الحيرة، حيال هذه القدرة الفائقة على غسل الكتابة، بدأب ورفق، بماء الفتنة الفاتر.. الماء الواقع في المنتصف بين الحار والبارد...

من أين يشحذ هشام ناجح كل هذه الطاقة كي يأخذ بناصية القول، محدثا بذلك تلك "الصعقة" اللذيذة المشتهاة من لدن القارئ الحصيف، الكائن فعلا أو المفترض أملا.. "صعقة" الجمال الكاسحة للبداهة والبلاهة، الكاشطة للعادية والسطحية... وهي السمات ـ الآفات التي تصيبنا في مقتل، ونحن نجابه عيشنا المكرور الممل..؟

يقينا، هي طاقة تستمد سطوعها من الذاكرة المحتشدة بصور الزمكان الدافقة، في جمالها وقبحها معا، ومن الثقافة الواسعة... إنها تلك الشرارة التي تولدها حمى الكتابة لدى الذوات القلقة المسكونة، دوما، بالأسئلة الحارقة والمحيرة، وبالأحرى العالقة، للكائن والوجود...

يلزم قارئ المجموعة القصصية الأخيرة لهشام ناجح، الموسومة ب "الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر"، والصادرة عن (دار الكتاب) بتونس، أن ينصت مليا لنبض هذه الكتابة، كونها كتابة غير عادية يسكنها هاجس الاستدراج المتقن نحو آفاق تفكير وتأمل أفسح.. نحو مسالك الدهشة والغرابة والحلم.. نحو متاهة الفتنة الآسرة والجمال الفارق...  

إنها كتابة متفردة، عميقة ورشيقة تلبس لبوسا فلسفية، وهي تسائل الكائن والوجود في شتى تجليات الالتباس، والغموض، والهشاشة والعدمية... كتابة تفرض على قارئها طقس تأمل خاص..

ذلك أنه يستعصي سبر أغوار كتابة كهذه، عند مطالعتها على متن قطار أو على مقاعد حديقة عمومية مثلا، إذ سيعدم الضجيج، لا محالة، لذة الغوص العذب نحو الأعماق للظفر بالجواهر...

هشام ناجح في قصص مجموعته الإثني عشر لا يحكي، فقط، عن أشخاص بعينهم، عرب وعجم، بل أيضا عن أرواح، وألوان، وروائح، وأشكال، وأصوات آدمية وحيوانية...

إنه يقص علينا في سرديات مرويات شيقة، قصصا عن عالم غرائبي عجائبي تهتز معه اليقينيات والبديهيات...

تحكي هذه القصص عن السيد جون مايجر، الذي كان قد نتر رأسه من الدائرة التي تحدد الشكل الخارجي، وانساق وراء مساءلة الدائرة الخالقة، التي لم تترك له مجالا للتعبير عن قلقه الاستفزازي، فابتلعته هذه المرة حتى يهتم بالشكل الداخلي.

وتحكي القصص، أيضا، عن وايل تيري القادم من لندن، والذي "لم يكن منسجما في أغلب الأحيان مع الخارج إلا بفعل العادات فحسب (...) فهو يعيش حياته في الداخل بالألوان، وعندما نتأمل كلمة (الألوان) نقول إنها سيرورة التفكير في الأحداث من جهة ألوانها، لا من جهة أشكالها. إنها تبدو ملتبسة في الخارج حالما يرغب في أن ينقلها عبر اللغة مثلا، لهذا تسعفه الهمهمة فقط، حتى يسلك اللون المنبعث في حيز الحدث الرئيس، أو يأخذ وجهة داخل بنية اللون الأول، وهنا يمكن أن نشير إلى طبيعة الانسجام أو التفاوت التي تفرضها منبهات الحدث التي تحدد هذه التقاطعات".

وفي غمار دفق هذه الكتابة الفارقة، نقرأ في نص آخر: "... وبما أن السيد مارشينا يجد صعوبة في تبني الكمال لشخوصه، وفي فهم منبع فكرة الوجود الآني للخلق، ونكاية كذلك في تبني الطرح النفسي المعتمد على الانغمارات والاستبطانات، فهو يرد فكرة الوجود الآني إلى التشبث بالروائح، الأشكال، الألوان والأصوات الملفوفة بالشرود الهذياني، مع الإلمام طبعا بالمحصلة الجديدة للسلوكات الطائرة، فتفتق الفلاح كيبا يمشي عاقدا ذراعيه خلف ظهره، وحماره شالي يبرطم وراءه مطالبا بإشعال سيجارة".

"أحس (مارشينا) بنبضان قلبه يقرقع في جسده، فاستنارت شعلته الداخلية. هبت نسمة عذبة حملت معها بعض المنبهات الطازجة، سرت في جسده بحيوية دفعته إلى العطاس، فاتحة معها مسالك الانغمارات اللغوية وسطوة الاستجابات".

ويحكي هشام ناجح عن الطفل سان وان يو الذي لم يكن يستوعب الفرق بين التيه والشرود، لكنه يحس ثمة نشوة تربطهما معا حين يشرع مبضع مخه في شرخ الصور، من خلال مخزون السياق الإيجابي الذي تشكل سلفا من إحساس لم يكتمل...

ونقرأ، من ضمن ما نقرأ، أن "الإنسان يتقن النظر بالشم، لهذا فهو يغلق عينيه للميل بأنفه نتيجة تعدد الاحتمالات والمراهنات. إذن، الذاكرة البصرية هي مجموعة من المقاربات الفيزيائية داخل بنية الروائح قبل تفعيل الحركة (...) الروح لا تتبنى السياقات للزج بالدوافع والحصول على النتائج"...

من صاحب ويصاحب هشام ناجح، يلمس لديه روحه الخفيفة الشفيفة.. فالرجل منشرح، مرح ورشيق للغاية في المعاملة كما في الحديث.. وهو يلهو بالكلمات كما يلهو طفل بألعاب العيد.. كما يفرح كثيرا، ويفرح معه أصحابه، وهو يسرد النكتة تلو النكتة بلكنته "الدكالية" الجميلة، راسما بحركات يديه وجسده تلك النصوص الأخرى الثاوية وراء الكتابة، أو وهو ينقر بأصابعه على طاولة المقهى، مدوزنا الكثير من أغاني العيطة المحببة لديه... 

ولا غرابة، والحالة هذه، أن نقرأ في قصة من هذه القصص العجيبة: "عندما نبالغ في التعبير بالحركات اليدوية المصاحبة للغة، قد نتنبه إلى خلق هيئة للفكرة.، إنها أبلغ تصور على أن الإنسان يعبر يدويا أحيانا أفضل من البحث عن باقي وظائف اللغة".

كم هو ناجع وممتع، في آن، أن يغالب المرء، بالنسبية الأكيدة طبعا، وجع الزمن من خلال قراءة سرد أعد عدته كاملة وهو ينثر خصال الخير.. سرد كاتب لا يفوته الإمتاع بتصوير أفعال الكرمشة، والدمدمة والهمهمة... كاتب ما فتئ يغدق علينا الكثير من خيرات الايعازات، والانغمارات، والمنبهات والاستبطانات...

لهشام ناجح أن يتأكد، وهو على هذا المنوال من نسج الكلمة الصبية الطازجة، الدالة واللامعة، الرشيقة والفاتنة...، أن أمنيته العزيزة عليه، آخذة في التحقق فعلا.. 

إنها كلمة تحرك نوارسنا، بلا منازع..