سياسة واقتصاد

نقمة النسيان و"مروحيات التشهير" والراي العام !!

بلقاسم أمنزو (دكتور في التواصل السياسي)

النسيان نعمة من نِعَمِ الله سبحانه وتعالى تمكن الإنسان من تجاوز الصدمات والآلام ومسح قسوة الذكريات للمضيّ قدماً في كل مجالات الحياة، لكن هذه النعمة تتحول إلى نقمة فيما يتعلق بالرأي العام السياسي. 


في هذا الإطار، فإن النسيان المجتمعي للأزمات الماضية والمناورات الانتخابية، ولعمليات "التفرقيش" بمختلف أشكالها وألوانها، يُضعِف المناعة السياسية، ويشكل فرصة لتكرار السياسات الفاشلة أو الانتهاكات، ولِعودة أصحاب الريع وتضارب المصالح إلى المؤسسات المنبثقة عن الاقتراع المباشر أو غير المباشر، وإلى المؤسسات الدستورية والأجهزة الإدارية والتنفيذية للدولة.


هكذا يتم تمرير القرارات التي كانت مرفوضة سابقاً، وهكذا يعود عبر النوافذ الحزبية أو غيرها، إلى مراكز القرار، أشخاص خرجوا بالأمس من الأبواب غيرَ مأسوفٍ عليهم، وهكذا تتكرر الأخطاء السياسية ذاتُها، والمناورات الانتخابية نفسُها، ويتم الوقوع في نفس الخداع مجدداً.


لهذا تستثمر الجهات الموجهة للرأي العام في "أدوات النسيان" لطمس قضايا محددة بإغراق الفضاء العام بكميات هائلة من المعلومات التافهة، ومن إعاقات المجتمع والأخبار السطحية أو المضللة، لصرف انتباه الناس عن القضايا الحقيقية والجوهرية، وتوجيهم بالتالي إلى مواضيع تافهة وهامشية لنسيان الأزمات الأساسية والمحاسبة السياسية.


بالموازة مع هذه المناورات التي يتم فرض قراراتها بجرعات صغيرة وعلى فترات زمنية معينة، لضمان اعتياد الرأي العام عليها مع تقبل التغييرات كأمر واقع، تقوم "مروحيات التشهير" بالقصف العشوائي لخلق واقع افتراضي غير آمن يسيء للذوق العام، إضافة إلى مؤامرات وسلوكات مقززة تُنَفِّر رواد الشبكة العنكبوتية وتدفعهم لمغادرتها.


هكذا مثلا، بدأ التنديد ب"الهبل" (بالمعنى الدارج) على طريق الوزارة، قبل أن يفسح المجال للحديث عن الساعة الإضافية التي انتهت قصتها في رفوف أرشفة الفراقشية، هذه القضية التي غطتها "نمدجة" وزير، وقنابل عبد الله بوانو في البرلمان، وقهقهة بنكيران، قبل موعد امتحانات الباكالوريا، والآلة العجيبة مع ميكروفونات التفاهة المرابطة في أبواب مراكز الامتحان، ومحيط (entourage) الرئيس شوكي في التلفزة، وتزكيات الانتخابات وهكذا دواليك حتى نهاية الولاية لتبدأ خطة أخرى مناسبة للوضع... فهل للمواطنين عامةً والناخبين خاصةً "ذاكرة ذباب"، حتى تنطلي عليهم نفس هذه الممارسات في كل استحقاق جديد ؟!!