سياسة واقتصاد

من الخطاب التبسيطي إلى التفكير المتوازن: في الحاجة إلى الجامعة

بدر اعليلوش
 "الرأس المُحكم التكوين لا يقوم على تكديس المعرفة، بل على امتلاك مبادئ تنظّم المعارف وتربط بينها وتمنحها معنى"

إدغار موران.


يشهد المجال العمومي في المغرب، كما في عدد من المجتمعات المعاصرة، تصاعدا ملحوظا لخطابات تقوم على التبسيط والاختزال في تناول قضايا شديدة التعقيد. ولم يعد الأمر يقتصر على النقاشات السياسية، بل امتد إلى ملفات اجتماعية ودينية وقانونية واقتصادية وحقوقية وبيئية، أصبحت تُطرح أحيانا في صورة ثنائيات حادة وأجوبة جاهزة، بدل أن تكون موضوعا لنقاش عقلاني يستحضر تعقيد الواقع وتشابك العوامل المؤثرة فيه.


ويكفي تأمل بعض النقاشات العمومية الجارية لفهم حجم هذه الظاهرة. ففي الجدل المرتبط بمدونة الأسرة، مثلا، تحولت أحيانا قضايا قانونية واجتماعية دقيقة إلى مواجهة بين شعارات متقابلة: “الدفاع عن الدين” في مقابل “الدفاع عن حقوق المرأة”، بينما يتعلق الأمر في الحقيقة بملف مركب يمس التحولات الاجتماعية والاقتصادية، ومصلحة الطفل، واستقرار الأسرة، والتوازن بين المرجعية الدستورية والخصوصية المجتمعية.


ويظهر الخطاب التبسيطي أيضا بشكل واضح في المجال السياسي، خصوصا خلال فترات الانتخابات أو النقاش حول أداء الحكومات، حيث يتم أحيانا اختزال تقييم السياسات العمومية في شعارات عامة أو أحكام سريعة من قبيل “النجاح الكامل” أو “الفشل الكامل”. كما تُختزل تعقيدات الفعل الحكومي في شخص رئيس الحكومة أو حزب سياسي بعينه، في حين أن السياسات العمومية هي نتاج تداخل مؤسسات متعددة، ومسارات طويلة من التفاوض والتدبير، وقيود اقتصادية واجتماعية داخلية وخارجية. غير أن هذا التعقيد غالبا ما يُغيب لصالح خطاب سياسي سريع يقوم على الإدانة أو التمجيد، أكثر مما يقوم على التحليل والتقييم الموضوعي.


كما يظهر هذا الميل إلى التبسيط في النقاشات الاقتصادية المرتبطة بارتفاع الأسعار وحرية السوق والمنافسة. فكثيرا ما تُختزل قضايا اقتصادية معقدة في تفسيرات جاهزة تبحث عن “مسؤول وحيد”، سواء تعلق الأمر بالتجار أو الحكومة أو الوسطاء، بينما يرتبط الواقع الاقتصادي بعوامل متعددة ومتشابكة، من بينها التحولات الدولية، والجفاف، والطاقة، وسلاسل التوريد، والبنية الإنتاجية الوطنية، وآليات المنافسة، والسياسات الضريبية والدعم العمومي. كما أن النقاش حول حرية الأسعار والتدخل العمومي غالبا ما يتحول إلى مواجهة تبسيطية بين من يدافع عن “تحرير السوق” بشكل مطلق، ومن يطالب بـ“التسقيف الشامل للأسعار”، في حين أن المسألة في حقيقتها تتطلب توازنا دقيقا بين حماية القدرة الشرائية وضمان دينامية الاقتصاد والمنافسة والاستثمار.


وتزداد خطورة هذا الوضع مع التحول التدريجي من “ثقافة المعرفة” إلى “ثقافة الرأي”. فقد ساهمت الرقمنة ومنصات التواصل الاجتماعي في توسيع حرية التعبير وإتاحة المجال أمام الجميع للمشاركة في النقاش العمومي، غير أنها ساهمت أيضا، في كثير من الأحيان، في تضخم الآراء السريعة على حساب التحليل العميق. وأصبح امتلاك موقف فوري أكثر حضورا من امتلاك معرفة حقيقية، كما أصبح النقاش العمومي يميل إلى ردود الفعل والانطباعات، بدل التدرج في بناء الأفكار وفحص المعطيات والحجج.


وفي هذا السياق، لم يعد النجاح في الفضاء الرقمي مرتبطا دائما بجودة الفكرة أو عمق التحليل، بل أحيانا بقدرة الخطاب على الإثارة والتبسيط والتعبئة العاطفية. كما أصبح صوت المؤثر الرقمي أكثر انتشارا من صوت الباحث أو الأستاذ الجامعي، وهو تحول يعكس انتقال النقاش العمومي من سلطة المعرفة إلى سلطة الجاذبية الرقمية.


وقد زادت التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي من تعقيد هذا الواقع. فهذه التقنيات الجديدة، رغم ما توفره من إمكانات كبيرة في الوصول السريع إلى المعلومات وإنتاج المحتوى، تطرح في المقابل تحديات حقيقية تتعلق بطريقة استهلاك المعرفة نفسها. فالخطر لا يكمن فقط في انتشار المعلومات الخاطئة، بل أيضا في تنامي وهم المعرفة؛ أي الاعتقاد بامتلاك الفهم لمجرد الحصول على جواب سريع أو نص جاهز. وهنا يصبح الانتقال من “ثقافة المعرفة” إلى “ثقافة الرأي” أكثر حدة، لأن التكنولوجيا قد تختصر أحيانا مسار التفكير والتحليل لصالح الاستهلاك السريع للأجوبة.


تكمن خطورة هذا المناخ في أن الخطاب التبسيطي لا يبقى دائما في حدود السطحية الفكرية، بل قد يتحول إلى أرضية خصبة لنمو أشكال مختلفة من التطرف. فالتطرف، في جوهره، ليس سوى تبسيط حاد للعالم، يقوم على تقسيم المجتمع إلى معسكرات مغلقة، ويستبدل التحليل بالشعار، والحوار بالإقصاء، والتفكير باليقين المطلق. وكلما ضعفت القدرة على فهم التعقيد، ازدادت قابلية المجال العمومي للاستقطاب والتوتر ؛ وهنا بالضبط تبرز أهمية الجامعة.


فالجامعة ليست مجرد مؤسسة لمنح الشهادات أو إعداد الكفاءات المهنية، بل هي، في جوهرها، فضاء لإنتاج التفكير المركب والمتوازن. إنها المكان الذي يتعلم فيه الإنسان/الطالب أن الواقع لا يُختزل في تفسير واحد، وأن القضايا الكبرى لا تُفهم إلا من خلال تعدد المقاربات وتداخل المعارف. ففي الجامعة يلتقي القانون بالفلسفة، والاقتصاد بعلم الاجتماع، والعلوم الإنسانية بالتكنولوجيا، وهو ما يسمح بتكوين عقل قادر على التحليل والمقارنة وفهم التعقيد.


وقد نبَّه إدغار موران Edgar Morin (1921- 2026) إلى أن أزمة التعليم الحديث لا تتمثل في نقص المعلومات، بل في عجز العقل عن ربط المعارف بعضها ببعض. وهذه الفكرة تبدو أكثر أهمية اليوم، في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي، حيث أصبح الوصول إلى المعلومة أسهل من أي وقت مضى، بينما أصبحت القدرة على التمييز والتحليل أكثر صعوبة. ولذلك، فإن التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعرفة، بل في تكوين العقل القادر على استعمالها بشكل نقدي ومسؤول.


إن الحاجة إلى الجامعة اليوم لا تتراجع، كما يعتقد البعض، بل تزداد إلحاحا. فكلما انتشرت الخطابات المبسطة والمتطرفة، وازدادت هيمنة “ثقافة الرأي” على حساب “ثقافة المعرفة”، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات تُدرِّب على التفكير النقدي والتمهل الفكري وفهم التعقيد. ولهذا، فإن الدفاع عن الجامعة المغربية لا ينبغي أن يُفهم فقط باعتباره دفاعا عن مؤسسة تعليمية، بل باعتباره دفاعا عن التوازن الفكري للمجتمع نفسه، وعن قدرته على إنتاج نقاش عمومي عقلاني في زمن السرعة والانفعال والاختزال، والتفاهة.