بتأهل المنتخبات الافريقية في كرة القدم التسعة الى الدور الثاني من منافسات مونديال كرة القدم الذي تحتضنه الولايات المتحدة الأمريكية وكندا والمكسيك ما بين 17 يونيو و19 يوليوز 2026، يكون المغرب قد تحول الى عامل أساسي في تحفيز هذه الفرق الافريقية، لتحقيق هذه النتيجة الغير مسبوقة، حيث كان لوصول المنتخب الوطني الى نصف نهاية كأس العالم لكرة القدم بقطر سنة 2022، كأول فريق افريقي يحقق هذا الهدف .
كما أن تحقيق المنتخب المغربي لقفزة تاريخية بارتقائه إلى المركز السادس عالميا في أحدث تصنيف عالمي للاتحاد الدولي لكرة القدم، وهو أول انجاز في مسارات الكرة الوطنية والافريقية والعربية، كان له دور في جعل المنتخبات الافريقية تؤمن بقدراتها في مقارعة أكبر المنتخبات، اقتداء بالتجربة المغربية، وشكل محفزا آخر لمواصلة مسيرتها في هذا الحدث الكروي العالمي.
لقد حافظ المنتخب المغربي على نفس نسقه المتميز بمونديال قطر رغم تغير في اللاعبين والمدرب وطاقمه التقني، خلال دور المجموعات التي دشنها بالتعادل الإيجابي مع المنتخب البرازيلي صاحب التجربة الطويلة والمدجج بلاعبين يمارسون في أكبر الأندية العالمية، ويتوفر على خبرة كبرى، و الفوز على اسكتلندا وهايتي، وبذلك برهن مجددا بأن وصوله إلى دور نصف نهاية كأس العالم بقطر سنة 2022، لم يكن وليد الصدفة، بل نتيجة عمل دؤوب، وتراكم، وجهد وحنكة لاعبين وأطر مغربية التي أصبح لها صيتا عالميا، واستفادة من أول مشاركة في مونديال سنة 1970 مرورا دورات كأس العالم سنوات 1986 بالمكسيك و1994 بالولايات المتحدة و1998 بفرنسا و 2018 بروسيا، وبقطر سنة 2022.
فوز المنتخب المغربي للشباب بكأس العالم في كرة القدم لأقل من 20 سنة بالشيلي سنة 2025، فتح كذلك أفقا جديدا ليس فقط للمنتخبات الإفريقية والعربية، بل أصبح يشكل نموذجا تقتدى به الفرق الوطنية الصاعدة بمختلف القارات حتى وأن هناك من المدربين والخبراء العالمين من أصبح يتحدث عن ميلاد مدرسة مغربية في كرة القدم.
وإذا كانت منتخبات كل من غانا والكوت ديفوار والسنغال والجزائر، قد سبق لها أن تأهلت الى الدور الثاني من نهائيات كأس العالم سابقة، فإن نظرائهم من مصر وجنوب افريقيا والكونغو الديمقراطية والرأس الأخضر المنتخب الذي يشارك لأول مرة، في الوقت الذي أقصي رغم تجربته الكروية، المنتخب التونسي، من الدور الأول لهذه التظاهرة الكروية الكبرى التي عرفت لأول مرة مشاركة 48 منتخبا من مختلف القارات.
وكان المغرب قد أصبح منذ مونديال قطر 2022، أول منتخب إفريقي يصل إلى نصف نهائي كأس العالم، بعدما فاز " أسود الأطلس" على كل من بلجيكا وإسبانيا والبرتغال وذلك في طريقهم إلى الدور قبل النهائي، قبل أن يتعثروا أمام المنتخب الفرنسي.
وفضلا عن ذلك فإن المستوى التنظيمي والإعلامي والكروي الكبير الذي ميز بطولة كأس أمم إفريقيا لكرة القدم، ( الكان ) التي احتضنها المغرب ما بين 21 دجنبر 2025 و18 يناير 2026، كان بدوره عاملا على استعادة المنتخبات الافريقية لثقتها في امكانياتها، وهذا ما تجسد في (كان المغرب)، وترجم في مونديال 2026.
فبطولة كأس إفريقيا للأمم بالمغرب الاستثنائية، شكلت منعطفا حاسما في مسار كرة القدم بالقارة، ولقيت اشادة واسعة من لدن الفاعلين في كرة القدم العالمية التي أجمعت على أن نسخة المغرب، تظل الأفضل على الاطلاق في تاريخ المسابقات القارية الافريقية منذ أول دورة احتضنتها السودان سنة 1957. لقد نجح المغرب في توحيد افريقيا والعالم خلال نسخة " المونديال الافريقي"، كما جاء على لسان رئيس الفيفا افانتينو . كما أن " كان المغرب" سنة 2025 ، شكل بروفة مهمة، ومرحلة استثمرتها المنتخبات الافريقية في مونديال 2026 .
غير أن هناك عوامل أخرى، ساهمت في تطور كرة القدم الإفريقية فنيا، منها ما يلاحظ من اهتمام بالتكوين بإحداث مدارس خاصة باللاعبين الشبان، ومراكز لتكوين واستكمال تكوين وتأهيل المدربين والأطر التقنية. ويأتي في طليعة هذه المؤسسات، أكاديمية محمد السادس لكرة القدم التي تهدف إلى إعادة تشكيل الرياضة الوطنية المغربية وتساهم اكتشاف المواهب الكروية، علاوة على استفادة المنتخبات الافريقية من اللاعبين الذين يمارسون بالأندية الأوربية وكذلك من مزدوجي الجنسية.
فالعمل الجاد والاستثمار في عنصر الشباب في كرة القدم والتدريب والبطولات الاحترافية والبنيات التحتية للاتحادات الأعضاء في الاتحاد الافريقي لكرة القدم، كلها مؤهلات تؤتي ثمارها في مونديال 2026، كما يرى باتريس موتسيبي رئيس الكونفدرالية الإفريقية لكرة القدم " الكاف".
وعلى الرغم من النتائج الإيجابية التي حققتها لحد الآن المنتخبات الإفريقية بالمونديال، فإن يمكن التساؤل هل يمكن اعتبار تأهل هذا العدد الى الدور 32، بمثابة صحوة كروية لمنتخبات القارة الإفريقية، قد يساهم في تموقعها على خريطة الكرة العالمية. فالقارة الافريقية، بتأهل تسعة من منتخباتها الى الدور الثاني من المونديال، تكون قد حققت نسبة نجاح بلغت 90 في المائة، وهي أعلى نسبة بالمقارنة مع المناطق القارية الست التابعة للاتحاد الدولي للعبة (فيفا)، تليها أمريكا الجنوبية في المرتبة الثانية بنسبة 83.33 في المائة، وأوروبا في المرتبة الثالثة بنسبة 81.25 في المائة.
فهذه الصورة التي أصبحت للمنتخبات الافريقية، يساهم فيها الإعلام، من خلال نقل صور النجاحات الكروية للمنتخبات الافريقية في مونديال 2026، وهو ما يتطلب أن تدشن هذه النتائج الكروية المتميزة لمرحلة جديدة ليس فقط في المشهد الإعلامي القاري، ولكن في المجال السياسي وترسيخ الديمقراطية، وتكريس قيم التضامن والتعاون ونبذ التفرقة والكراهية بين بلدان القارة الإفريقية المطالبة بتحديث بنياتها لتحقيق التنمية المستدامة، تعزيزا للنتائج المحققة في رياضة كرة القدم.
وإذا كانت كرة القدم أصبحت تحقق، ما عجزت عنه السياسة، فإن هناك العديد من التحديات، وتساؤلات تظل مطروحة، منها مدى تمكن وسائل الاعلام والاتصال بإفريقيا من أن تكون في المستوى المطلوب، وتتجاوز الممارسات السلبية مع الأخذ بعين الإعتبار الاشكاليات التي تطرحها المتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، مع ما طرأ من تحولات في مزاج الرأي العام الافريقي، نتيجة التكنولوجيات الحديثة التي ساهمت في كسر احتكار الصحافيين والإعلاميين، في مجال نشر وتعميم الأخبار والمعلومات التي كانت الى وقت قريب، اختصاصا خالصا للصحافيين.






