رياضة

من صحراء المغرب إلى ملاعب المكسيك.. حين يكتب الشعب المغربي صفحة جديدة من تاريخه الجماعي

أنور الشرقاوي (طبيب وخبير في التواصل الطبي والإعلام الصحي)

بالأمس كانت المسيرة الخضرا و زلزال الحوز، واليوم أيضاً ملحمة الجمهور المغربي خلف المنتخب الوطني .

فما هي المشاعر التي تجعل الشعب المغربي يتحرك بهذه القوة عندما يتعلق الأمر بقضاياه الوطنية والإنسانية والرياضية؟

هناك لحظات في تاريخ الشعوب لا تكتفي فيها الجماهير بأن تكون مجرد متفرج على الأحداث، بل تتحول هي نفسها إلى صانع رئيسي لفصول قصة جماعية كبرى.

لقد عرف المغرب عبر تاريخه الحديث لحظات نادرة تختفي فيها المسافات الجغرافية أمام قوة الشعور المشترك؛ شعور الانتماء إلى الوطن، والتضامن الإنساني، والاعتزاز بالانتماء إلى مصير واحد.

بالأمس كانت المسيرة الخضراء، تلك الملحمة الشعبية التي طبعت التاريخ المعاصر للمملكة المغربية.

مئات الآلاف من المغاربة، من رجال ونساء وشباب، توجهوا في مسيرة سلمية نحو الصحراء المغربية، حاملين الراية الوطنية والقرآن رمزاً للوحدة والتلاحم والتشبث بقضية وطنية كبرى.

لقد كانت صورة استثنائية لشعب موحد خلف قضية وطنية مصيرية، ومشهداً تاريخياً جسّد قوة الإرادة الشعبية عندما تتوحد القلوب حول هدف واحد.

وبعد عقود من الزمن، تعود إلى الواجهة صورة أخرى لا تقل تأثيراً في الوجدان الجماعي: آلاف المغاربة يعبرون يوم 29 يونبو 2026 المحيطات، ويقطعون آلاف الكيلومترات للوصول إلى الأراضي المكسيكية، من أجل مساندة المنتخب الوطني لكرة القدم في مباراة حاسمة أمام المنتخب الهولندي.

اثنتا عشرة ( 12) طائرة قادمة من المغرب حطت اليوم في المكسيك، وعلى متنها مشجعون حولوا رحلة رياضية إلى تظاهرة شعبية حقيقية عنوانها الحب والوفاء والانتماء.

إن ما يثير الانتباه في هذه التعبئة الشعبية ليس فقط عدد الجماهير التي سافرت، بل الرسالة العميقة التي تحملها حول روح الشعب المغربي.

فخلف كل قميص أحمر واخضر يرفرف في المدرجات، وخلف كل علم مغربي يرفع في ملعب بعيد عن الوطن، توجد قصة إنسانية خاصة.

هناك أب ادخر من ماله شهوراً طويلة، وشاب أجل مشاريع شخصية، ومواطن بذل جهداً مادياً كبيراً وربما لجأ إلى الاقتراض من أجل أن يعيش لحظات قليلة من الفرح الجماعي.

إنها ليست مجرد رحلة سياحية، بل تعبير عن رغبة عميقة في المشاركة في لحظة تاريخية، وفي كتابة جزء من ذاكرة الوطن.

إن الشعب نفسه الذي خرج للدفاع عن قضيته الترابية في الصحراء المغربية، هو الشعب ذاته الذي هبّ لمساندة ضحايا الزلزال المدمر الذي ضرب منطقة الحوز.

شعب يعرف كيف يستجيب عندما يتألم الوطن، وعندما تحتاج الأسر إلى الدعم، وعندما تنتظر القرى يد المساعدة والتضامن.

واليوم، تنتقل هذه الطاقة الشعبية نفسها إلى الملاعب العالمية.

فكرة القدم لم تعد مجرد لعبة رياضية، بل أصبحت لغة عالمية، وفضاءً تعبر فيه الأمة عن فرحتها وثقتها بنفسها وهويتها.

فالمنتخب الوطني المغربي ليس فقط أحد عشر لاعباً فوق أرضية الملعب.

إنه يمثل تاريخاً وثقافة وشباباً وراية وطنية.

إنه يحمل أحلام شعب يرى في لاعبيه قيم الشجاعة والمثابرة والرغبة في تجاوز الذات وتحقيق الإنجازات.

وعبر القارات، من إفريقيا إلى أوروبا، وصولاً إلى القارة الأمريكية، يقدم المشجعون المغاربة صورة متميزة لشعب قادر على تحويل شغف رياضي إلى احتفال وطني جامع.

إن هذه الحماسة تذكرنا بحقيقة أساسية: فالأمم لا تبنى فقط بالمؤسسات والبنيات التحتية والخطابات الرسمية وقرارات الملوك والرؤساء.

بل تبنى أيضاً بالمشاعر المشتركة، وبالمبادرات العفوية، وبتلك اللحظات التي يشعر فيها الملايين بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة ومصير واحد.

لقد أظهرت المسيرة الخضراء قوة شعب متحد خلف قضية وطنية.

وكشف تضامن المغاربة بعد زلزال الحوز عمق الإنسانية المتجذرة في هذا الشعب.

أما تنقل الجماهير المغربية عبر العالم، فيبرهن اليوم على قوة هوية جماعية تحملها أجيال جديدة من الشباب والأمل والطموح.

من رمال الصحراء المغربية إلى مدرجات المكسيك، يظل الخيط الأحمر والأخضر الرابط بين هذه الأجيال واحداً: حب المغرب.

حب يعبر عنه المغاربة تارة بالمسيرة الخضراء، وتارة بالتضامن والتآزر، وتارة أخرى بأصوات تهتف في الملاعب حتى يبحّ صوتها من أجل الراية الوطنية.

فأحياناً لا تكتب الدول تاريخها فقط في الكتب أو القصور.

بل يكتبه أيضاً أولئك الذين يمشون من أجل قضايا وطنهم، وأولئك الذين يمدون أيديهم لمساعدة إخوانهم، وأولئك الذين يرفعون أصواتهم بالغناء والتشجيع دفاعاً عن ألوان وطنهم.