تحليل

المغرب على محكّ الإقلاع الاقتصادي.. موعد لم يكتمل بعد

عبد السلام الصديقي (جامعي وخبير اقتصادي ووزير سابق)

منذ‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة،‭ ‬يتردد‭ ‬في‭ ‬الخطاب‭ ‬السياسي‭ ‬والاقتصادي‭ ‬الحديث‭ ‬عن‭ ‬طموح‭ ‬المغرب‭ ‬للالتحاق‭ ‬بركب‭ ‬الدول‭ ‬الصاعدة‭. ‬وقد‭ ‬أصبح‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭ ‬مرجعاً‭ ‬ثابتاً‭ ‬في‭ ‬الخطابات‭ ‬الرسمية،‭ ‬دون‭ ‬تحديد‭ ‬موعد‭ ‬زمني‭ ‬دقيق‭ ‬لتحقيقه‭. ‬غير‭ ‬أنه،‭ ‬وعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬الملحوظ‭ ‬الذي‭ ‬أحرزه‭ ‬المغرب‭ ‬منذ‭ ‬الاستقلال،‭ ‬ولا‭ ‬سيما‭ ‬خلال‭ ‬ربع‭ ‬القرن‭ ‬الأخير،‭ ‬فإنه‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬تجاوز‭ ‬العتبة‭ ‬الفاصلة‭ ‬بين‭ ‬البلدان‭ ‬النامية‭ ‬والاقتصادات‭ ‬الصاعدة‭ ‬الحقيقية‭.‬

ويثير‭ ‬هذا‭ ‬الوضع‭ ‬تساؤلاً‭ ‬مشروعاً:‭ ‬لماذا‭ ‬تأخر‭ ‬المغرب‭ ‬في‭ ‬التحول‭ ‬إلى‭ ‬بلد‭ ‬صاعد،‭ ‬في‭ ‬حين‭ ‬نجحت‭ ‬بلدان‭ ‬أخرى‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬مماثل‭ ‬له‭ ‬خلال‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬تحولها‭ ‬الاقتصادي‭ ‬والاجتماعي؟‭ ‬ويبرز‭ ‬هنا‭ ‬نموذجا‭ ‬إسبانيا،‭ ‬وقبلها‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية،‭ ‬باعتبارهما‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الأمثلة‭ ‬دلالة‭ ‬على‭ ‬ذلك‭.‬

ما‭ ‬المقصود‭ ‬بالدولة‭ ‬الصاعدة؟

قبل‭ ‬التطرق‭ ‬إلى‭ ‬الحالة‭ ‬المغربية،‭ ‬يجدر‭ ‬توضيح‭ ‬مفهوم‭ ‬الدولة‭ ‬الصاعدة‭.‬

فهذا‭ ‬المفهوم‭ ‬لا‭ ‬يشير‭ ‬إلى‭ ‬تصنيف‭ ‬قانوني‭ ‬محدد،‭ ‬بل‭ ‬هو‭ ‬مصطلح‭ ‬تستعمله‭ ‬المؤسسات‭ ‬الدولية‭ ‬والخبراء‭ ‬الاقتصاديون‭ ‬لوصف‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬تقع‭ ‬في‭ ‬منزلة‭ ‬وسطى‭ ‬بين‭ ‬التخلف‭ ‬الاقتصادي‭ ‬ومستوى‭ ‬الدول‭ ‬المتقدمة‭.‬

وعادة‭ ‬ما‭ ‬تتميز‭ ‬الدول‭ ‬الصاعدة‭ ‬بجملة‭ ‬من‭ ‬الخصائص،‭ ‬من‭ ‬بينها‭ ‬تحقيق‭ ‬معدلات‭ ‬نمو‭ ‬اقتصادي‭ ‬مرتفعة‭ ‬ومستدامة،‭ ‬وتطور‭ ‬القطاع‭ ‬الصناعي،‭ ‬والاندماج‭ ‬القوي‭ ‬في‭ ‬التجارة‭ ‬الدولية،‭ ‬والتحسن‭ ‬المتواصل‭ ‬لمستوى‭ ‬عيش‭ ‬السكان،‭ ‬وتوفر‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬حديثة،‭ ‬واستقرار‭ ‬اقتصادي‭ ‬كلي،‭ ‬ومنظومة‭ ‬تعليمية‭ ‬فعالة،‭ ‬وقدرة‭ ‬متزايدة‭ ‬على‭ ‬الابتكار‭.‬

وعليه،‭ ‬فإن‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬على‭ ‬ارتفاع‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام،‭ ‬بل‭ ‬يفترض‭ ‬تحولات‭ ‬عميقة‭ ‬تشمل‭ ‬البنيات‭ ‬الاقتصادية‭ ‬والاجتماعية‭ ‬والمؤسساتية‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬حقق‭ ‬المغرب‭ ‬مكاسب‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬إنكارها،‭ ‬لكنه‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬اختلالات‭ ‬تحد‭ ‬من‭ ‬انتقاله‭ ‬الكامل‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬الصاعدة‭.‬

‭ ‬المغرب‭ ‬غيّر‭ ‬حجمه‭ ‬ومكانته‭ ‬ بلا‭ ‬شك

لا‭ ‬يمكن‭ ‬لأي‭ ‬متابع‭ ‬موضوعي‭ ‬أن‭ ‬ينكر‭ ‬حجم‭ ‬التحولات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬المغرب‭ ‬خلال‭ ‬الخمسة‭ ‬والعشرين‭ ‬عاماً‭ ‬الأخيرة‭.‬

فقد‭ ‬أصبح‭ ‬يتوفر‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬تعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬الأكثر‭ ‬تطوراً‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية‭. ‬فالطرق‭ ‬السيارة،‭ ‬وخطوط‭ ‬السكك‭ ‬الحديدية‭ ‬عالية‭ ‬السرعة،‭ ‬والموانئ،‭ ‬والمطارات،‭ ‬والمنصات‭ ‬اللوجستية،‭ ‬والسدود،‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬والتجهيزات‭ ‬الحضرية،‭ ‬كلها‭ ‬ساهمت‭ ‬في‭ ‬تغيير‭ ‬المشهد‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الوطني‭ ‬بشكل‭ ‬جذري‭.‬

وأصبح‭ ‬ميناء‭ ‬طنجة‭ ‬المتوسط‭ ‬مرجعاً‭ ‬دولياً‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الخدمات‭ ‬اللوجستية‭. ‬كما‭ ‬تحولت‭ ‬صناعة‭ ‬السيارات‭ ‬إلى‭ ‬أول‭ ‬قطاع‭ ‬مصدر‭ ‬في‭ ‬البلاد‭. ‬ونجح‭ ‬المغرب‭ ‬كذلك‭ ‬في‭ ‬ترسيخ‭ ‬موقعه‭ ‬كفاعل‭ ‬موثوق‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الانتقال‭ ‬الطاقي‭ ‬بفضل‭ ‬الاستثمارات‭ ‬المنجزة‭ ‬في‭ ‬الطاقة‭ ‬الشمسية‭ ‬والريحية،‭ ‬وكذا‭ ‬في‭ ‬القطاعات‭ ‬الواعدة‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالهيدروجين‭ ‬الأخضر‭.‬

وفي‭ ‬الوقت‭ ‬نفسه،‭ ‬عزز‭ ‬المغرب‭ ‬حضوره‭ ‬الاقتصادي‭ ‬في‭ ‬القارة‭ ‬الإفريقية،‭ ‬ووسع‭ ‬شبكة‭ ‬شراكاته‭ ‬الدولية‭ ‬من‭ ‬خلال‭ ‬إقامة‭ ‬علاقات‭ ‬متوازنة‭ ‬مع‭ ‬أوروبا‭ ‬والولايات‭ ‬المتحدة‭ ‬الأمريكية‭ ‬ودول‭ ‬الخليج‭ ‬والصين‭ ‬والعديد‭ ‬من‭ ‬الدول‭ ‬الإفريقية‭.‬

ومن‭ ‬المنتظر‭ ‬أن‭ ‬تعطي‭ ‬الاستعدادات‭ ‬الجارية‭ ‬لتنظيم‭ ‬كأس‭ ‬العالم‭ ‬2030‭ ‬دفعة‭ ‬إضافية‭ ‬لهذه‭ ‬الدينامية‭ ‬عبر‭ ‬تحفيز‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والنقل‭ ‬والسياحة‭ ‬والسكن‭ ‬والخدمات‭.‬

كل‭ ‬هذه‭ ‬المكتسبات‭ ‬حقيقية‭ ‬ولا‭ ‬يمكن‭ ‬التقليل‭ ‬من‭ ‬أهميتها‭. ‬وهي‭ ‬تشكل‭ ‬أسساً‭ ‬متينة‭ ‬لاقتصاد‭ ‬صاعد‭ ‬في‭ ‬المستقبل‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬السؤال‭ ‬الذي‭ ‬يظل‭ ‬مطروحاً‭ ‬هو:‭ ‬لماذا‭ ‬لم‭ ‬تتحول‭ ‬هذه‭ ‬الإنجازات‭ ‬بعد‭ ‬إلى‭ ‬إقلاع‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬شامل؟

‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭: ‬المرآة‭ ‬التي‭ ‬تزعجنا

للإجابة‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال،‭ ‬لا‭ ‬توجد‭ ‬مقارنة‭ ‬أكثر‭ ‬فائدة‭ ‬من‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭.‬

ففي‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كان‭ ‬البلدان‭ ‬يتقاسمان‭ ‬أوضاعاً‭ ‬متقاربة‭ ‬نسبياً‭.‬

كان‭ ‬المغرب‭ ‬قد‭ ‬حصل‭ ‬لتوه‭ ‬على‭ ‬استقلاله،‭ ‬بينما‭ ‬كانت‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬خارجة‭ ‬من‭ ‬حرب‭ ‬مدمرة‭ ‬تركت‭ ‬اقتصادها‭ ‬في‭ ‬حالة‭ ‬انهيار‭ ‬شبه‭ ‬كامل‭.‬

وكانت‭ ‬الزراعة‭ ‬تهيمن‭ ‬على‭ ‬الاقتصادين،‭ ‬وكانت‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭ ‬متقاربة،‭ ‬كما‭ ‬كانت‭ ‬نسب‭ ‬الأمية‭ ‬مرتفعة‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬محدودة‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬كثيرون‭ ‬يتوقعون‭ ‬أن‭ ‬تتحول‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬خلال‭ ‬بضعة‭ ‬عقود‭ ‬إلى‭ ‬قوة‭ ‬صناعية‭ ‬وتكنولوجية‭ ‬وعلمية‭ ‬عالمية‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬هذا‭ ‬ما‭ ‬حدث‭ ‬بالفعل‭.‬

فاليوم،‭ ‬يفوق‭ ‬متوسط‭ ‬دخل‭ ‬المواطن‭ ‬الكوري‭ ‬الجنوبي‭ ‬عدة‭ ‬مرات‭ ‬نظيره‭ ‬المغربي‭. ‬كما‭ ‬أصبحت‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬واحدة‭ ‬من‭ ‬أكثر‭ ‬الاقتصادات‭ ‬ابتكاراً‭ ‬في‭ ‬العالم،‭ ‬وتصدر‭ ‬منتجات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬عالية،‭ ‬وتتحكم‭ ‬في‭ ‬تكنولوجيات‭ ‬متقدمة،‭ ‬وتحتضن‭ ‬شركات‭ ‬عالمية‭ ‬عملاقة‭ ‬مثل‭ ‬سامسونغ‭ ‬وهيونداي‭ ‬وإل‭ ‬جي‭ ‬وكيا‭.‬

إن‭ ‬الفارق‭ ‬القائم‭ ‬اليوم‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬لا‭ ‬يعكس‭ ‬فقط‭ ‬اختلافاً‭ ‬في‭ ‬مستوى‭ ‬التنمية،‭ ‬بل‭ ‬يعكس‭ ‬قبل‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬اختلافاً‭ ‬في‭ ‬المسارات‭ ‬التاريخية‭.‬

‭ ‬المعجزة‭ ‬الكورية‭: ‬إرادة‭ ‬سياسية‭ ‬تحولت‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬وطني

لم‭ ‬يكن‭ ‬النجاح‭ ‬الكوري‭ ‬وليد‭ ‬الصدفة‭.‬

بل‭ ‬كان‭ ‬ثمرة‭ ‬استراتيجية‭ ‬وطنية‭ ‬تم‭ ‬الالتزام‭ ‬بها‭ ‬بشكل‭ ‬متواصل‭ ‬على‭ ‬مدى‭ ‬عقود‭ ‬طويلة‭.‬

فقد‭ ‬لعبت‭ ‬الدولة‭ ‬الكورية‭ ‬دوراً‭ ‬محورياً‭ ‬في‭ ‬تحديد‭ ‬الأولويات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ووجهت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬نحو‭ ‬القطاعات‭ ‬الاستراتيجية،‭ ‬وحمت‭ ‬بعض‭ ‬الصناعات‭ ‬الناشئة‭ ‬مؤقتاً،‭ ‬لكنها‭ ‬فرضت‭ ‬عليها‭ ‬في‭ ‬المقابل‭ ‬معايير‭ ‬صارمة‭ ‬للنجاعة‭ ‬والقدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬في‭ ‬الأسواق‭ ‬الخارجية‭.‬

وخلافاً‭ ‬لبعض‭ ‬التصورات‭ ‬الشائعة،‭ ‬لم‭ ‬تعتمد‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬الليبرالية‭ ‬المطلقة،‭ ‬بل‭ ‬مارست‭ ‬تدخلاً‭ ‬اقتصادياً‭ ‬انتقائياً‭ ‬ومنضبطاً‭ ‬وموجهاً‭ ‬نحو‭ ‬تحقيق‭ ‬النتائج‭.‬

فالشركات‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬تستفيد‭ ‬من‭ ‬الدعم‭ ‬العمومي‭ ‬كانت‭ ‬مطالبة‭ ‬بإثبات‭ ‬نجاعتها،‭ ‬ولم‭ ‬يكن‭ ‬الفشل‭ ‬يكافأ‭ ‬أو‭ ‬يستمر‭ ‬إلى‭ ‬ما‭ ‬لا‭ ‬نهاية‭.‬

وقد‭ ‬ساهمت‭ ‬هذه‭ ‬الثقافة‭ ‬القائمة‭ ‬على‭ ‬الأداء‭ ‬والفعالية‭ ‬في‭ ‬ظهور‭ ‬مجموعات‭ ‬صناعية‭ ‬كبرى‭ ‬أصبحت‭ ‬فيما‭ ‬بعد‭ ‬من‭ ‬بين‭ ‬أبرز‭ ‬الفاعلين‭ ‬الاقتصاديين‭ ‬على‭ ‬المستوى‭ ‬العالمي‭.‬

‭ ‬التعليم‭: ‬الفرق‭ ‬الحاسم

غير‭ ‬أن‭ ‬السر‭ ‬الحقيقي‭ ‬للنجاح‭ ‬الكوري‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬الرأسمال‭ ‬البشري‭.‬

ففي‭ ‬غياب‭ ‬موارد‭ ‬طبيعية‭ ‬مهمة،‭ ‬اختارت‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬أن‭ ‬تجعل‭ ‬من‭ ‬التعليم‭ ‬ثروتها‭ ‬الأساسية‭.‬

أصبحت‭ ‬المدرسة‭ ‬أولوية‭ ‬وطنية‭.‬

وتضاعفت‭ ‬الاستثمارات‭ ‬في‭ ‬التعليم،‭ ‬وارتفعت‭ ‬المعايير‭ ‬الأكاديمية،‭ ‬وحظيت‭ ‬الشعب‭ ‬العلمية‭ ‬والتكنولوجية‭ ‬بعناية‭ ‬خاصة‭.‬

ولا‭ ‬يزال‭ ‬النظام‭ ‬التعليمي‭ ‬الكوري‭ ‬إلى‭ ‬اليوم‭ ‬أحد‭ ‬أهم‭ ‬مصادر‭ ‬القوة‭ ‬التنافسية‭ ‬للبلاد‭.‬

أما‭ ‬المغرب،‭ ‬فما‭ ‬زال‭ ‬يؤدي‭ ‬ثمن‭ ‬عقود‭ ‬من‭ ‬التردد‭ ‬والإصلاحات‭ ‬غير‭ ‬المكتملة‭ ‬في‭ ‬هذا‭ ‬المجال‭.‬

فالعجز‭ ‬المتراكم‭ ‬في‭ ‬منظومة‭ ‬التربية‭ ‬والتكوين‭ ‬يفسر‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬التأخر‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬الإنتاجية‭ ‬والابتكار‭ ‬والتنافسية‭.‬

والتجارب‭ ‬الدولية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬أي‭ ‬بلد‭ ‬لم‭ ‬يحقق‭ ‬إقلاعه‭ ‬الاقتصادي‭ ‬المستدام‭ ‬دون‭ ‬ثورة‭ ‬حقيقية‭ ‬في‭ ‬التعليم‭.‬

‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والابتكار‭: ‬فجوة‭ ‬ثانية

يكمن‭ ‬الفرق‭ ‬الثاني‭ ‬بين‭ ‬البلدين‭ ‬في‭ ‬البحث‭ ‬العلمي‭ ‬والابتكار‭.‬

فكوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬تخصص‭ ‬اليوم‭ ‬نسبة‭ ‬مرتفعة‭ ‬جداً‭ ‬من‭ ‬ثروتها‭ ‬الوطنية‭ ‬للبحث‭ ‬والتطوير،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬مكنها‭ ‬من‭ ‬احتلال‭ ‬موقع‭ ‬ريادي‭ ‬في‭ ‬العديد‭ ‬من‭ ‬القطاعات‭ ‬التكنولوجية‭ ‬المتقدمة‭.‬

فهي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تكتفي‭ ‬بالإنتاج،‭ ‬بل‭ ‬أصبحت‭ ‬تصمم‭ ‬وتبتكر‭ ‬وتخترع‭ ‬وتصدر‭ ‬التكنولوجيا‭.‬

أما‭ ‬المغرب‭ ‬فما‭ ‬يزال‭ ‬بعيداً‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬المستوى‭.‬

فالنفقات‭ ‬المخصصة‭ ‬للبحث‭ ‬العلمي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬متواضعة‭ ‬ولا‭ ‬تتجاوز‭ ‬حوالي‭ ‬0.7‭ ‬في‭ ‬المائة‭ ‬من‭ ‬الناتج‭ ‬الداخلي‭ ‬الخام‭. ‬كما‭ ‬أن‭ ‬الروابط‭ ‬بين‭ ‬الجامعة‭ ‬والمقاولة‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬محدودة،‭ ‬وعدد‭ ‬براءات‭ ‬الاختراع‭ ‬المسجلة‭ ‬يبقى‭ ‬ضعيفاً‭.‬

وفي‭ ‬اقتصاد‭ ‬عالمي‭ ‬أصبحت‭ ‬المعرفة‭ ‬فيه‭ ‬المورد‭ ‬الاستراتيجي‭ ‬الأول،‭ ‬يشكل‭ ‬هذا‭ ‬التأخر‭ ‬عائقاً‭ ‬حقيقياً‭ ‬أمام‭ ‬تحقيق‭ ‬الإقلاع‭ ‬المنشود‭.‬

ما‭ ‬وراء‭ ‬الاقتصاد‭: ‬إشكالية‭ ‬الحكامة‭ ‬والمؤسسات

تكشف‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬عن‭ ‬بعد‭ ‬غالباً‭ ‬ما‭ ‬يتم‭ ‬إغفاله‭ ‬في‭ ‬النقاش‭ ‬حول‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي،‭ ‬وهو‭ ‬جودة‭ ‬الحكامة‭ ‬وفعالية‭ ‬المؤسسات‭.‬

فالبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬والاستثمارات‭ ‬والاستراتيجيات‭ ‬القطاعية‭ ‬ضرورية‭ ‬دون‭ ‬شك،‭ ‬لكنها‭ ‬غير‭ ‬كافية‭ ‬بمفردها‭ ‬لإحداث‭ ‬تحول‭ ‬عميق‭ ‬ومستدام‭.‬

وتبين‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬أياً‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصاعدة‭ ‬لم‭ ‬ينجح‭ ‬في‭ ‬انتقاله‭ ‬التنموي‭ ‬دون‭ ‬مؤسسات‭ ‬قوية‭ ‬قادرة‭ ‬على‭ ‬ضمان‭ ‬استمرارية‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الأمن‭ ‬القانوني،‭ ‬وضمان‭ ‬المنافسة‭ ‬الشريفة،‭ ‬وربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭.‬

ومن‭ ‬هذه‭ ‬الزاوية،‭ ‬سجل‭ ‬المغرب‭ ‬تقدماً‭ ‬مهماً‭. ‬فقد‭ ‬تعززت‭ ‬مؤسساته‭ ‬تدريجياً،‭ ‬ونجح‭ ‬في‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬استقراره‭ ‬في‭ ‬محيط‭ ‬إقليمي‭ ‬مضطرب‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬عدداً‭ ‬من‭ ‬أوجه‭ ‬القصور‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يحد‭ ‬من‭ ‬فعالية‭ ‬العمل‭ ‬العمومي‭.‬

أولى‭ ‬هذه‭ ‬الإشكالات‭ ‬تتمثل‭ ‬في‭ ‬الفجوة‭ ‬القائمة‭ ‬أحياناً‭ ‬بين‭ ‬جودة‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬الموضوعة‭ ‬وبين‭ ‬تنفيذها‭ ‬على‭ ‬أرض‭ ‬الواقع‭. ‬فالمغرب‭ ‬لا‭ ‬يفتقر‭ ‬إلى‭ ‬الرؤى‭ ‬ولا‭ ‬إلى‭ ‬البرامج‭ ‬الطموحة‭. ‬لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الحقيقي‭ ‬يكمن‭ ‬في‭ ‬التنفيذ‭ ‬والتتبع‭ ‬والتنسيق‭ ‬والتقييم‭.‬

أما‭ ‬الإشكال‭ ‬الثاني‭ ‬فيتعلق‭ ‬بأداء‭ ‬المؤسسات‭ ‬التمثيلية‭. ‬فما‭ ‬زال‭ ‬البرلمان‭ ‬يواجه‭ ‬صعوبة‭ ‬في‭ ‬الاضطلاع‭ ‬الكامل‭ ‬بأدواره‭ ‬المتعلقة‭ ‬بتقييم‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬ومراقبة‭ ‬العمل‭ ‬الحكومي‭. ‬وغالباً‭ ‬ما‭ ‬تطغى‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الظرفية‭ ‬والرهانات‭ ‬السياسية‭ ‬الآنية‭ ‬على‭ ‬النقاشات‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬المرتبطة‭ ‬بالتنمية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى

كما‭ ‬تشكل‭ ‬العدالة‭ ‬عاملاً‭ ‬أساسياً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭. ‬فرغم‭ ‬الإصلاحات‭ ‬التي‭ ‬شهدها‭ ‬هذا‭ ‬القطاع،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬هناك‭ ‬انتظارات‭ ‬كبيرة‭ ‬فيما‭ ‬يخص‭ ‬سرعة‭ ‬البت‭ ‬في‭ ‬القضايا،‭ ‬وتعزيز‭ ‬الأمن‭ ‬القضائي،‭ ‬وترسيخ‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسة‭ ‬القضائية‭. ‬فالمستثمر،‭ ‬سواء‭ ‬كان‭ ‬وطنياً‭ ‬أو‭ ‬أجنبياً،‭ ‬يحتاج‭ ‬إلى‭ ‬بيئة‭ ‬قانونية‭ ‬مستقرة‭ ‬وواضحة‭ ‬وقابلة‭ ‬للتنبؤ‭.‬

وتبقى‭ ‬الإدارة‭ ‬العمومية‭ ‬بدورها‭ ‬ورشاً‭ ‬مفتوحاً‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬التقدم‭ ‬المسجل‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬الرقمنة،‭ ‬ما‭ ‬تزال‭ ‬بعض‭ ‬مظاهر‭ ‬البيروقراطية‭ ‬وتعقد‭ ‬المساطر‭ ‬وضعف‭ ‬التنسيق‭ ‬بين‭ ‬الإدارات‭ ‬تؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬فعالية‭ ‬السياسات‭ ‬العمومية‭ ‬وعلى‭ ‬مناخ‭ ‬الأعمال‭.‬

وأخيراً،‭ ‬تظل‭ ‬مسألة‭ ‬ربط‭ ‬المسؤولية‭ ‬بالمحاسبة‭ ‬حجر‭ ‬الزاوية‭ ‬في‭ ‬أي‭ ‬مشروع‭ ‬تنموي‭ ‬ناجح‭. ‬فالتقارير‭ ‬التقييمية‭ ‬تكشف‭ ‬باستمرار‭ ‬عن‭ ‬اختلالات‭ ‬في‭ ‬تدبير‭ ‬بعض‭ ‬البرامج‭ ‬العمومية،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬يقتضي‭ ‬تفعيل‭ ‬آليات‭ ‬التتبع‭ ‬والمساءلة‭ ‬بشكل‭ ‬أكثر‭ ‬صرامة‭ ‬وفعالية‭.‬

وفي‭ ‬المحصلة،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬المغرب‭ ‬يعاني‭ ‬أساساً‭ ‬من‭ ‬نقص‭ ‬في‭ ‬الاستراتيجيات‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬يعاني‭ ‬من‭ ‬محدودية‭ ‬النجاعة‭ ‬المؤسساتية‭. ‬فالطرق‭ ‬والموانئ‭ ‬والمناطق‭ ‬الصناعية‭ ‬يمكن‭ ‬إنجازها‭ ‬في‭ ‬سنوات‭ ‬معدودة،‭ ‬أما‭ ‬بناء‭ ‬مؤسسات‭ ‬فعالة‭ ‬وذات‭ ‬مصداقية‭ ‬فيتطلب‭ ‬نفساً‭ ‬طويلاً‭ ‬وإرادة‭ ‬مستمرة‭. ‬وربما‭ ‬يكون‭ ‬هذا‭ ‬هو‭ ‬الرهان‭ ‬الحقيقي‭ ‬الذي‭ ‬سيتوقف‭ ‬عليه‭ ‬انتقال‭ ‬المغرب‭ ‬إلى‭ ‬مصاف‭ ‬الدول‭ ‬الصاعدة‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭.‬

‭ ‬المفارقة‭ ‬المغربية

يعيش‭ ‬المغرب‭ ‬اليوم‭ ‬مفارقة‭ ‬لافتة‭ ‬للنظر‭.‬

فمن‭ ‬جهة،‭ ‬يتوفر‭ ‬البلد‭ ‬على‭ ‬بنية‭ ‬تحتية‭ ‬تضاهي‭ ‬في‭ ‬كثير‭ ‬من‭ ‬جوانبها‭ ‬ما‭ ‬هو‭ ‬موجود‭ ‬في‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الاقتصادات‭ ‬الصاعدة‭.‬

ومن‭ ‬جهة‭ ‬أخرى،‭ ‬فإن‭ ‬المؤشرات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والبشرية‭ ‬لا‭ ‬تتقدم‭ ‬بالوتيرة‭ ‬نفسها‭ ‬التي‭ ‬عرفتها‭ ‬التجهيزات‭ ‬المادية‭.‬

وبعبارة‭ ‬أخرى،‭ ‬نجح‭ ‬المغرب‭ ‬أحياناً‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬التحديث‭ ‬المادي‭ ‬بوتيرة‭ ‬أسرع‭ ‬من‭ ‬تحديثه‭ ‬البشري‭ ‬والمؤسساتي‭.‬

وهذه‭ ‬المفارقة‭ ‬تفسر‭ ‬جانباً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬الصعوبات‭ ‬التي‭ ‬تواجهها‭ ‬البلاد‭ ‬اليوم‭.‬

فالبنيات‭ ‬التحتية،‭ ‬مهما‭ ‬بلغت‭ ‬جودتها،‭ ‬لا‭ ‬تؤتي‭ ‬ثمارها‭ ‬كاملة‭ ‬إلا‭ ‬إذا‭ ‬كانت‭ ‬مصحوبة‭ ‬برأسمال‭ ‬بشري‭ ‬مؤهل،‭ ‬وإدارة‭ ‬فعالة،‭ ‬ومحيط‭ ‬مؤسساتي‭ ‬مشجع‭ ‬على‭ ‬المبادرة‭ ‬والابتكار‭.‬

‭ ‬المعيقات‭ ‬التي‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬قائمة

لا‭ ‬تزال‭ ‬مجموعة‭ ‬من‭ ‬العوامل‭ ‬تعرقل‭ ‬مسيرة‭ ‬المغرب‭ ‬نحو‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬الكامل‭.‬

ويتعلق‭ ‬أولها‭ ‬بسوق‭ ‬الشغل‭. ‬فعلى‭ ‬الرغم‭ ‬من‭ ‬الاستثمارات‭ ‬الضخمة‭ ‬التي‭ ‬تم‭ ‬إنجازها،‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬عاجزاً‭ ‬عن‭ ‬خلق‭ ‬عدد‭ ‬كافٍ‭ ‬من‭ ‬مناصب‭ ‬الشغل‭ ‬اللائقة‭ ‬لاستيعاب‭ ‬الأعداد‭ ‬المتزايدة‭ ‬من‭ ‬الشباب‭ ‬الوافدين‭ ‬على‭ ‬سوق‭ ‬العمل‭.‬

أما‭ ‬المعيق‭ ‬الثاني‭ ‬فيتمثل‭ ‬في‭ ‬ضعف‭ ‬الإنتاجية‭. ‬فما‭ ‬تزال‭ ‬قطاعات‭ ‬واسعة‭ ‬من‭ ‬الاقتصاد‭ ‬الوطني‭ ‬تنشط‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬ذات‭ ‬قيمة‭ ‬مضافة‭ ‬محدودة،‭ ‬الأمر‭ ‬الذي‭ ‬ينعكس‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬التنافسية‭ ‬وعلى‭ ‬مستويات‭ ‬الدخل‭.‬

ويتعلق‭ ‬العائق‭ ‬الثالث‭ ‬باستمرار‭ ‬الفوارق‭ ‬الاجتماعية‭ ‬والمجالية‭. ‬فبالرغم‭ ‬من‭ ‬الجهود‭ ‬المبذولة‭ ‬في‭ ‬مجال‭ ‬التنمية‭ ‬الترابية‭ ‬وتقليص‭ ‬الفوارق،‭ ‬لا‭ ‬تزال‭ ‬الهوة‭ ‬قائمة‭ ‬بين‭ ‬العالمين‭ ‬الحضري‭ ‬والقروي‭ ‬وبين‭ ‬عدد‭ ‬من‭ ‬الجهات‭.‬

أما‭ ‬العائق‭ ‬الرابع‭ ‬فيرتبط‭ ‬بالوزن‭ ‬الكبير‭ ‬للاقتصاد‭ ‬غير‭ ‬المهيكل‭ ‬الذي‭ ‬ما‭ ‬يزال‭ ‬يشغل‭ ‬نسبة‭ ‬مهمة‭ ‬من‭ ‬اليد‭ ‬العاملة‭ ‬ويستحوذ‭ ‬على‭ ‬جزء‭ ‬معتبر‭ ‬من‭ ‬النشاط‭ ‬الاقتصادي‭ ‬خارج‭ ‬الأطر‭ ‬القانونية‭ ‬والتنظيمية‭.‬

ويتمثل‭ ‬العائق‭ ‬الخامس‭ ‬في‭ ‬استمرار‭ ‬بعض‭ ‬أشكال‭ ‬الريع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬وما‭ ‬يصاحبه‭ ‬من‭ ‬ممارسات‭ ‬تندرج‭ ‬ضمن‭ ‬ما‭ ‬يسمى‭ ‬بـ‭ ‬«رأسمالية‭ ‬المحاباة»،‭ ‬وهي‭ ‬مارسات‭ ‬تؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬المنافسة‭ ‬وتحد‭ ‬من‭ ‬تكافؤ‭ ‬الفرص‭ ‬وتضعف‭ ‬دينامية‭ ‬الابتكار‭.‬

وأخيراً،‭ ‬تبقى‭ ‬آفة‭ ‬الفساد‭ ‬من‭ ‬أكبر‭ ‬التحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المغرب‭. ‬فالفساد‭ ‬لا‭ ‬يقتصر‭ ‬أثره‭ ‬على‭ ‬استنزاف‭ ‬الموارد،‭ ‬بل‭ ‬يضعف‭ ‬الثقة‭ ‬في‭ ‬المؤسسات،‭ ‬ويرفع‭ ‬كلفة‭ ‬المعاملات‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬ويؤثر‭ ‬سلباً‭ ‬على‭ ‬جاذبية‭ ‬البلاد‭ ‬للاستثمار‭ ‬الوطني‭ ‬والأجنبي‭.‬

‭ ‬كلفة‭ ‬الزمن‭ ‬الضائع

تسمح‭ ‬المقارنة‭ ‬مع‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬بإدراك‭ ‬ما‭ ‬يمكن‭ ‬تسميته‭ ‬بكلفة‭ ‬الزمن‭ ‬الضائع‭.‬

فالقضية‭ ‬لا‭ ‬تقتصر‭ ‬على‭ ‬ملاحظة‭ ‬أن‭ ‬كوريا‭ ‬الجنوبية‭ ‬أصبحت‭ ‬اليوم‭ ‬أكثر‭ ‬ثراءً‭ ‬من‭ ‬المغرب،‭ ‬بل‭ ‬تتعلق‭ ‬أيضاً‭ ‬بتقدير‭ ‬ما‭ ‬كان‭ ‬يمكن‭ ‬للمغرب‭ ‬أن‭ ‬يحققه‭ ‬لو‭ ‬أن‭ ‬بعض‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الأساسية‭ ‬قد‭ ‬أُنجزت‭ ‬في‭ ‬وقت‭ ‬أبكر‭ ‬أو‭ ‬نُفذت‭ ‬بفعالية‭ ‬أكبر‭.‬

ولا‭ ‬ينبغي‭ ‬فهم‭ ‬هذا‭ ‬الطرح‭ ‬باعتباره‭ ‬نوعاً‭ ‬من‭ ‬جلد‭ ‬الذات‭ ‬أو‭ ‬الحنين‭ ‬إلى‭ ‬الماضي‭.‬

بل‭ ‬إن‭ ‬الهدف‭ ‬منه‭ ‬هو‭ ‬إبراز‭ ‬أن‭ ‬التأخر‭ ‬في‭ ‬مجالات‭ ‬التعليم‭ ‬والبحث‭ ‬العلمي‭ ‬والحكامة‭ ‬والإنتاجية‭ ‬يترتب‭ ‬عنه‭ ‬ثمن‭ ‬اقتصادي‭ ‬واجتماعي‭ ‬باهظ‭ ‬تتحمله‭ ‬أجيال‭ ‬متعاقبة‭.‬

فكل‭ ‬عقد‭ ‬زمني‭ ‬يضيع‭ ‬دون‭ ‬تحقيق‭ ‬الإصلاحات‭ ‬الضرورية‭ ‬يترجم‭ ‬إلى‭ ‬خسائر‭ ‬في‭ ‬فرص‭ ‬الشغل،‭ ‬ومستويات‭ ‬الدخل،‭ ‬والقدرة‭ ‬التنافسية،‭ ‬وجودة‭ ‬الحياة‭.‬

‭ ‬النموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭: ‬فرصة‭ ‬ثانية‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬تفويتها

يُحسب‭ ‬للنموذج‭ ‬التنموي‭ ‬الجديد‭ ‬أنه‭ ‬قدم‭ ‬تشخيصاً‭ ‬جريئاً‭ ‬وواقعياً‭ ‬للتحديات‭ ‬التي‭ ‬تواجه‭ ‬المغرب‭.‬

كما‭ ‬أنه‭ ‬وضع‭ ‬أهدافاً‭ ‬طموحة‭ ‬في‭ ‬أفق‭ ‬سنة‭ ‬2035،‭ ‬مع‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬الرأسمال‭ ‬البشري،‭ ‬والحكامة‭ ‬الجيدة،‭ ‬والتنافسية‭ ‬الاقتصادية،‭ ‬والعدالة‭ ‬الاجتماعية،‭ ‬والتماسك‭ ‬المجتمعي‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬نجاح‭ ‬هذا‭ ‬المشروع‭ ‬لن‭ ‬يتوقف‭ ‬على‭ ‬جودة‭ ‬التشخيص‭ ‬بقدر‭ ‬ما‭ ‬سيتوقف‭ ‬على‭ ‬القدرة‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬التوصيات‭ ‬إلى‭ ‬سياسات‭ ‬وإجراءات‭ ‬ملموسة‭ ‬ونتائج‭ ‬قابلة‭ ‬للقياس‭.‬

وتؤكد‭ ‬التجارب‭ ‬الدولية‭ ‬أن‭ ‬البلدان‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬هي‭ ‬تلك‭ ‬التي‭ ‬استطاعت‭ ‬الحفاظ‭ ‬على‭ ‬رؤية‭ ‬استراتيجية‭ ‬طويلة‭ ‬المدى‭ ‬تتجاوز‭ ‬الاعتبارات‭ ‬الظرفية‭ ‬والتجاذبات‭ ‬السياسية‭ ‬العابرة‭.‬

‭ ‬هل‭ ‬المغرب‭ ‬بلد‭ ‬صاعد؟

إن‭ ‬الجواب‭ ‬الأكثر‭ ‬موضوعية‭ ‬عن‭ ‬هذا‭ ‬السؤال‭ ‬يظل‭ ‬جواباً‭ ‬متوازناً

فالمغرب‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬بلداً‭ ‬نامياً‭ ‬بالمعنى‭ ‬التقليدي‭ ‬للكلمة‭.‬

لكنه‭ ‬لم‭ ‬يصبح‭ ‬بعد‭ ‬بلداً‭ ‬صاعداً‭ ‬بالمعنى‭ ‬الكامل‭ ‬للمفهوم‭.‬

إنه‭ ‬بلد‭ ‬يوجد‭ ‬في‭ ‬مرحلة‭ ‬انتقالية‭ ‬نحو‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭.‬

وهذه‭ ‬المرحلة‭ ‬الانتقالية‭ ‬ليست‭ ‬مجرد‭ ‬شعار‭ ‬أو‭ ‬طموح،‭ ‬بل‭ ‬هي‭ ‬واقع‭ ‬تدعمه‭ ‬إنجازات‭ ‬ملموسة‭ ‬ومكتسبات‭ ‬مهمة‭.‬

فالمغرب‭ ‬يتوفر‭ ‬اليوم‭ ‬على‭ ‬عناصر‭ ‬قوة‭ ‬عديدة:‭ ‬الاستقرار‭ ‬المؤسساتي،‭ ‬والموقع‭ ‬الجغرافي‭ ‬الاستراتيجي،‭ ‬والبنيات‭ ‬التحتية‭ ‬الحديثة،‭ ‬والانفتاح‭ ‬على‭ ‬العالم،‭ ‬والرؤية‭ ‬الاستراتيجية‭ ‬بعيدة‭ ‬المدى‭.‬

غير‭ ‬أن‭ ‬تجارب‭ ‬الدول‭ ‬التي‭ ‬نجحت‭ ‬في‭ ‬تحقيق‭ ‬نهضتها‭ ‬الاقتصادية‭ ‬تؤكد‭ ‬أن‭ ‬البنيات‭ ‬التحتية‭ ‬وحدها‭ ‬لا‭ ‬تكفي‭.‬

فالإقلاع‭ ‬الحقيقي‭ ‬يقوم‭ ‬على‭ ‬ثلاثة‭ ‬مرتكزات‭ ‬متكاملة:‭ ‬رأسمال‭ ‬بشري‭ ‬مؤهل،‭ ‬ومؤسسات‭ ‬فعالة،‭ ‬وحكامة‭ ‬قائمة‭ ‬على‭ ‬الكفاءة‭ ‬والمسؤولية‭ ‬والاستحقاق

لقد‭ ‬قطع‭ ‬المغرب‭ ‬بالفعل‭ ‬جزءاً‭ ‬مهماً‭ ‬من‭ ‬الطريق‭.‬

لكن‭ ‬التحدي‭ ‬الأكبر‭ ‬خلال‭ ‬السنوات‭ ‬المقبلة‭ ‬لن‭ ‬يكون‭ ‬بناء‭ ‬المزيد‭ ‬من‭ ‬الطرق‭ ‬والموانئ‭ ‬والمنشآت،‭ ‬بل‭ ‬تحسين‭ ‬الحكامة،‭ ‬والارتقاء‭ ‬بمنظومة‭ ‬التعليم‭ ‬والتكوين،‭ ‬وتثمين‭ ‬الكفاءات‭ ‬الوطنية،‭ ‬وتحقيق‭ ‬توزيع‭ ‬أكثر‭ ‬عدالة‭ ‬للثروات‭ ‬المنتجة‭.‬

ومن‭ ‬ثم،‭ ‬فإن‭ ‬السؤال‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬المغرب‭ ‬يمتلك‭ ‬المقومات‭ ‬الضرورية‭ ‬ليصبح‭ ‬بلداً‭ ‬صاعداً،‭ ‬بل‭ ‬ما‭ ‬إذا‭ ‬كان‭ ‬قادراً‭ ‬على‭ ‬تحويل‭ ‬الفرص‭ ‬التاريخية‭ ‬المتاحة‭ ‬أمامه‭ ‬اليوم‭ ‬إلى‭ ‬مشروع‭ ‬مجتمعي‭ ‬جامع‭ ‬يسمح‭ ‬له‭ ‬بتدارك‭ ‬ما‭ ‬فاته‭ ‬من‭ ‬تأخر‭ ‬والانضمام‭ ‬بشكل‭ ‬دائم‭ ‬إلى‭ ‬نادي‭ ‬الدول‭ ‬الصاعدة‭.‬

وفي‭ ‬نهاية‭ ‬المطاف،‭ ‬لم‭ ‬يعد‭ ‬النقاش‭ ‬يدور‭ ‬حول‭ ‬إمكانية‭ ‬تحقيق‭ ‬الإقلاع‭ ‬الاقتصادي‭ ‬من‭ ‬عدمها،‭ ‬وإنما‭ ‬حول‭ ‬السرعة‭ ‬التي‭ ‬سيتمكن‭ ‬بها‭ ‬المغرب‭ ‬من‭ ‬بلوغ‭ ‬هذا‭ ‬الهدف‭.‬

لأن‭ ‬الأمم،‭ ‬كما‭ ‬يعلمنا‭ ‬التاريخ،‭ ‬لا‭ ‬تُقاس‭ ‬فقط‭ ‬بما‭ ‬حققته‭ ‬من‭ ‬إنجازات،‭ ‬بل‭ ‬أيضاً‭ ‬بقدرتها‭ ‬على‭ ‬اغتنام‭ ‬اللحظات‭ ‬الحاسمة‭ ‬وتحويل‭ ‬الإمكانات‭ ‬المتاحة‭ ‬إلى‭ ‬تنمية‭ ‬شاملة‭ ‬وازدهار‭ ‬مستدام‭.‬