لا يمكن قراءة القرار الأخير القاضي بالعودة إلى التوقيت القانوني (غرينتش) بمعزل عن السياق الانتخابي المحموم الذي تعيشه البلاد، ولا يمكن فصله عن الحسابات السياسية الدقيقة التي تسبق استحقاقات شتنبر المقبل بأسابيع معدودات.
إن هذا الإعلان الذي جاء على لسان رئيس الحكومة، عزيز أخنوش، يأتي في لحظة دقيقة تفرضها الرغبة في إعادة ترتيب الأوراق السياسية، وتحويل ملفٍ كان يشكل "نقطة ضعف" حكومية إلى ورقة استباقية تحاول من خلالها الأغلبية استعادة زمام المبادرة في مواجهة خطاب المعارضة المتصاعد.
لقد تراكمت على امتداد سنوات ولاية الحكومة تقارير ودراسات عديدة أكدت الآثار السلبية لنظام التوقيت الصيفي على المواطنين، خاصة التلاميذ والأسر المغربية الذين عانوا من اضطرابات يومية جراء التوقيت الإضافي. ورغم صرخات المجتمع المدني وتقارير الفاعلين التربويين والخبراء التي ظلت تنبه الحكومة لخطورة هذه الساعة المشؤومة، إلا أن السلطة التنفيذية اختارت التغاضي عنها طوال السنوات الماضية، متمسكة بمبررات تقنية واقتصادية، ولم تجد طريقها نحو الحل إلا في هذه الأنفاس الأخيرة من عمر الولاية، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول توقيت هذه "الاستفاقة" السياسية.
يبدو بوضوح أن الحكومة تحاول عبر هذا القرار قطع الطريق أمام الأحزاب التي جعلت من ملف الساعة الإضافية مادة دسمة في حملاتها الانتخابية. فالمعركة الانتخابية تشتد حدتها، وحزب العدالة والتنمية، بقيادة أمينه العام عبد الإله بنكيران، كان قد وضع إلغاء الساعة الإضافية في صدارة وعوده الانتخابية، متعهداً بأن يكون هذا الملف هو أول قرار سيتخذه في حال فوزه وتشكيله للحكومة. وبذلك، تبدو خطوة أخنوش محاولة تكتيكية لامتصاص غضب الشارع "بقرار شعبوي" يفرغ خطاب الخصوم السياسيين من محتواه، ويجرد المعارضة من أقوى أسلحتها الانتخابية قبل أن تبدأ الحملة الرسمية.
إن اللجوء إلى هذا القرار في هذا التوقيت بالذات يفتح الباب واسعاً أمام قراءة نقدية ترى فيه "مناورة انتخابية" أكثر من كونه قراراً مبنياً على قناعة راسخة بضرورة الإصلاح. فعندما تأتي الاستجابة لمطالب شعبية ملحة في التوقيت الذي يسبق الصناديق مباشرة، فإن الحكومة تضع نفسها في دائرة الاتهام باستغلال الشأن العام لتحقيق مكاسب انتخابية ضيقة. وبدلاً من أن يكون القرار ثمرة تقييم متأني ومسؤول للسياسات العمومية، تحول إلى أداة لترميم الشعبية المتآكلة، ومحاولة أخيرة لكسب ود الناخبين الذين ضاقوا ذرعاً بانتظار قرار حكومي طال أمده.
في المحصلة، تظل العودة إلى التوقيت الأصلي مطلباً اجتماعياً مشروعاً ومستحقاً، لكن "تسييس" هذا القرار وربطه بالاستحقاقات الانتخابية يُفرغه من قيمته كاستجابة ديمقراطية لنبض الشارع. فالمواطن المغربي اليوم يدرك جيداً الفرق بين القرار الذي يُتخذ من أجل المصلحة العامة والقرار الذي يُفصل على مقاس التوقيت الانتخابي، مما يجعل من هذه الخطوة الحكومية، رغم ترحيب الناس بها، شهادة إضافية على أن منطق الانتخابات يظل المحرك الأساسي لأغلب التحركات الحكومية في بلادنا، خاصة حينما يتعلق الأمر بالبحث عن "انتصار" سياسي أخير قبل مواجهة المواطنين في صناديق الاقتراع.






