رياضة

كرة القدم والنسيج العربي: من جسر للتواصل إلى أداة للتفرقة

كريمة البدوي

في كل مناسبة كروية كبرى ككأس العالم، يتجدد التساؤل المرير: هل ما زالت كرة القدم نشاطاً رياضياً يقرّب بين الشعوب، أم أنها تحولت إلى معول يهدم النسيج العربي والوحدة الإنسانية؟

من المؤسف جداً أن نرى اللعبة التي جُعلت لبناء الجسور، أصبحت تُستغل في خلق نزعات التعصب والتفرقة، لدرجة أدت إلى محاولة إلغاء المشترك التاريخي، والثقافي، والديني الذي يجمعنا كشعوب عربية وأفريقية، واستبداله أحياناً بـ "انتصارات عاطفية مؤقتة" تمسح هذا المشترك العريق.

هذا الواقع يدفعنا لاستحضار تحذيرات مفكرينا الكبار الذين فككوا هذه الظاهرة مبكراً من منظور قيمي وتربوي:

المفكر المغربي د. المهدي المنجرة وضع إصبعه على الداء في قولته التاريخية:

"لا فائدة من كثرة الغليان والتشاحن؛ فنحن جميعاً متعادلون في التخلف، والأمية, والجهل، وضعف الصحة والتعليم... التخلف هو أن يرى المجتمع في الكرة كل شيء، وهي في الأصل لا شيء."

المفكر المصري د. مصطفى محمود حذّر بدوره من هذا التأثير العكسي قائلاً:

"إذا تحولت الكرة من ترويح ورياضة إلى تعصب يقطع أواصر الأخوة، ويهدر الطاقات، ويشحن النفوس بالغل والضغينة، فهي لم تعد رياضة، بل أصبحت مرضاً اجتماعياً يهدم ولا يبني."

إن تضخيم شأن كرة القدم اليوم ليس مجرد عفوية جماهيرية، بل تُغذيه ماكينات إعلامية وكتائب إلكترونية مُمنهجة على منصات التواصل الاجتماعي، وظيفتها بث الفتن وصناعة صراعات وهمية بين الشعوب العربية. هذا الضخ الموجه يحوّل الشغف الرياضي إلى أداة لـ "التنفيس الجماعي"، مما يؤدي إلى عزل الأجيال عن قضاياها الحقيقية، وإحداث قطيعة شعورية مع محيطها الإقليمي العربي، مما يضعف أواصر الوحدة بين الشباب العربي الصاعد، وبالتالي إجهاض أي أمل لإحياء وتجسيد التكتلات والمشاريع التنموية الكبرى والوحدوية الأصيلة التي أسس لها فكرياً ونظرياً كبار قادتنا ومفكرونا الأوائل في منطقتنا.

إن علاقاتنا وروابطنا التاريخية بأشقائنا في الدول العربية والأفريقية يجب أن تكون دائماً علاقات تكامل، وتعاون، وبناء مشترك، وليس ساحة للتضاد، والخصومة، والتفرقة بسبب 90 دقيقة على المستطيل الأخضر. فلنشجع بروح رياضية ووعي، وأن نعتبر فوز أي فريق عربي أو أفريقي فوزاً لنا جميعاً، فوزاً لأفريقيا وللوطن العربي ككل. لنرفض أن تُهدم الرياضة أو منصات التواصل ما وصله التاريخ والدم والمصير الواحد.