وتندرج هذه الإحالة في إطار الرقابة الدستورية القبلية، وهي رقابة ترمي إلى التأكد من مطابقة القانون للدستور قبل دخوله حيز التنفيذ، تكريسا لمبدأ سمو الدستور وضمانا لشرعية النصوص التشريعية.
ويترتب على هذه الإحالة أثر قانوني مهم، يتمثل في وقف مسطرة إصدار القانون، فلا يمكن إصدار الأمر بتنفيذه أو نشره في الجريدة الرسمية إلا بعد صدور قرار المحكمة الدستورية.
وشخصيا، اعتبر هذه الإحالة خطوة دستورية كان لا بد منها.
ذلك أن النقاش حول مشروع قانون مهنة المحاماة تجاوز منذ مدة حدود الاختلاف القانوني المشروع،
وانزلق في كثير من الأحيان إلى اللغو، وإلى نقاشات بيزنطية لا تستند إلى أساس قانوني متين،
بل وصل أحيانا إلى السب والقذف والتخوين،
وإطلاق أحكام قطعية تقضي بعدم دستورية المشروع برمته، دون سند من الدستور أو من الاجتهاد الدستوري.
واليوم، وبعد إحالة المشروع على المحكمة الدستورية، أعتقد أن الوقت قد حان للانتقال من منطق الانطباعات إلى منطق المؤسسات،
ومن الجدل العقيم إلى الاحتكام إلى الجهة الوحيدة التي خولها الدستور سلطة الفصل في مدى مطابقة القوانين للدستور.
إن المحكمة الدستورية اليوم لا تنظر في المواقف السياسية ولا في الشعارات،
وإنما تنظر في النصوص، وتقارنها بأحكام الدستور وبمبادئه وباجتهاداتها السابقة، لتقول الكلمة الفصل في مدى دستورية هذا المشروع.
فأما إذا انتهت المحكمة الدستورية إلى أن جميع مقتضيات مشروع قانون مهنة المحاماة مطابقة للدستور، فإن ذلك يعني أن المشروع قد استوفى جميع مراحله الدستورية والتشريعية.
وعندئذ يحال المشروع إلى جلالة الملك لإصدار الأمر بتنفيذه، ثم ينشر في الجريدة الرسمية، ويدخل حيز التنفيذ وفق التاريخ المحدد فيه أو وفق القواعد العامة إذا لم ينص على تاريخ خاص.
وسيكون لهذا القرار أثر بالغ، لأنه سيحصن المشروع دستوريا، ويضع حدا لكل الادعاءات التي كانت تجزم بعدم دستوريته، كما سينقل النقاش من مرحلة التشكيك في مشروعيته إلى مرحلة تطبيقه وممارسته، مع بقاء باب التعديل التشريعي مفتوحا مستقبلا إذا ارتأى المشرع ذلك .
أما إذا انتهت المحكمة الدستورية إلى أن بعض مقتضيات المشروع تخالف الدستور، فإن القانون لا يمكن أن يصدر بصيغته الحالية.
وفي هذه الحالة، يعاد المشروع إلى البرلمان لتعديل المواد التي قضت المحكمة بعدم دستوريتها، بما ينسجم مع التعليل الوارد في قرارها، ثم تستأنف بعد ذلك المسطرة الدستورية إلى حين إصدار الأمر بتنفيذه ونشره.
ولا يجوز إعادة اعتماد أي مقتضى سبق للمحكمة الدستورية أن صرحت بعدم دستوريته إلا بعد إزالة أسباب المخالفة التي حددها قرارها، لأن قرارات المحكمة الدستورية تتمتع بحجية مطلقة وتلزم جميع السلطات.
وإذا استدعت الضرورة ذلك، وكان تعديل المقتضيات المحكوم بعدم دستوريتها لا يحتمل انتظار افتتاح الدورة البرلمانية العادية، فإن الدستور يجيز الدعوة إلى دورة استثنائية للبرلمان قصد استكمال المسطرة التشريعية، كما يبقى من الجائز، إذا توافرت شروط الاستعجال المنصوص عليها في القانون التنظيمي للمحكمة الدستورية، أن تطلب الحكومة البت في الإحالة داخل الأجل الاستعجالي الذي يحدده القانون و هو ثمان أيام عوض الشهر .
وفي جميع الأحوال، فإن الرابح الحقيقي من هذه الإحالة هو دولة القانون والمؤسسات، لأن الكلمة الأخيرة لن تكون للشعارات أو للتأويلات أو للمواقف المسبقة، وإنما لقرار قضائي دستوري ملزم للجميع.
لذلك، سأنتظر قرار المحكمة الدستورية لأنني أؤمن أن النقاش القانوني الحقيقي يبدأ من النصوص الدستورية وينتهي عند الاجتهاد الدستوري.
وعندما يصدر القرار، سيكون لكل حادث حديث، وسيصبح النقاش مؤسسا على حكم دستوري ملزم، لا على التكهنات أو الأمنيات أو المزايدات.
إن احترام المؤسسات الدستورية يقتضي أن نحتكم إليها عندما يثور الخلاف، وأن نقبل بما تنتهي إليه من قرارات، سواء وافقت قناعاتنا أم خالفتها.
فهذه هي دولة المؤسسات، وهذا هو المعنى الحقيقي لسيادة الدستور، وهو الضمانة الأساسية لأن يصدر قانون مهنة المحاماة في صيغة سليمة، محصنة دستوريا، وقابلة للتنفيذ بثقة واحترام من جميع الفاعلين.






