رأي

جواد مامون: "على محك المواطنة وبناء الثقة": ملتقى طنجة الثالث يرسم المعالم الجديدة للسياسة الجبائية بالمملكة

تفرض الجمعية المغربية للمالية العامة مكانتها اليوم كإحدى أبرز منصات التفكير المستقلة الموجهة لدعم صناعة القرار المالي والعمومي بالمملكة، متجاوزة الأطر الجمعوية التقليدية نحو مأسسة فضاء علمي رصين يتناول بالتحليل والنقد الرهانات البنيوية للمالية الوطنية. وتستمد هذه الجمعية قيمتها الوازنة من قدرتها على الجذب والتجميع؛ إذ تلتف حولها نخب رفيعة من أساتذة التعليم العالي، الخبراء، والباحثين من مختلف كليات الحقوق المغربية، واضعين نصب أعينهم هدفا موحدا يتمثل في تحديث الفكر المالي ومواكبة التحولات الميزانياتية والتشريعية المتسارعة التي تمر بها المغرب.

ولا تنفصل الحركية العلمية المستمرة للجمعية عن سياق الأوراش الإصلاحية الكبرى للمملكة، وعلى رأسها تنزيل مقتضيات القانون التنظيمي لقانون المالية، ودعم آليات التوازن المالي، وترسيخ مبادئ الصدقية والشفافية في تدبير الأموال العمومية. فمن خلال الرصيد العلمي الغني والإشعاع المعرفي لأعضاء مكتبها التنفيذي بقيادة رئيسها الدكتور حميد النهري، ونائبته جميلة الدليمي، والكاتبة العامة نجاة العماري، تسعى هذه البنية البحثية إلى صياغة رؤى استشرافية دقيقة تسهم في فك الارتباط بين المقاربات النظرية والواقع الميداني المعقد للمؤسسات الاقتصادية والتدبير الترابي. ويتعزز هذا الزخم الأكاديمي بالخبرات التدبيرية لأمينة المال نعيمة اعبة، ونائبتها صباح ياسين، والمستشارين الدكتورة زبيدة نكاز، ورشيد المساوي، وضياء السمن، وهشام الحسكة، وعبد العالي اجناح، والذين يشكلون معا نسيجا متكاملا يضمن التعددية الجغرافية والتكامل التخصصي.

ويتجلى الحضور الراهن والمؤثر للجمعية في قدرتها الاستثنائية على قيادة النقاشات الأكثر ملامسة لواقع الدولة والمواطن؛ حيث يشكل ملتقى أساتذة المالية العامة محطة فكرية بالغة الأهمية لتدارس السياسة الجبائية على محك المواطنة وبناء الثقة. ويبرز في هذا الصدد الدور المحوري للدكتور حسن العرفي، الذي يتولى مهمة المقرر العام ومهندس الأوراق التمهيدية المؤطرة للملتقيات الوطنية، موظفا خبرته لتوجيه مسارات النقاش العلمي، والإشراف المشترك على صياغة التوصيات الاستراتيجية المرتبطة بالحكامة المالية والتدبير الترابي للجهات. هذا البناء الرصين، المستند إلى توجيهات هيئة الإشراف والحكامة التي تضم قامات فكرية كبرى من طينة محمد الرهج، ومحمد الصبيحي، ومحمد اقصبي، يؤهل هذا الإطار العلمي ليكون شريكا استشاريا يواكب ترشيد القرار العمومي ويساهم في تحقيق الاستدامة المالية الشاملة.

وتتوج هذه الدينامية العلمية بالنجاح المتميز الذي حققه الملتقى الوطني الثالث الأخير للجمعية المنعقد بمدينة طنجة يومي 3 و4 يوليوز 2026، والذي خصص لمناقشة موضوعه الشامل والتفصيلي الموسوم بـ: "السياسة الجبائية في المغرب على محك المواطنة الضريبية: أزمة قبول ضريبي أم خلل في السياسة الجبائية؟". ويستوجب هذا المحفل العلمي التنويه البالغ بالتنسيق المحكم والتنظيم الدقيق الذي قاده رئيس الجمعية الدكتور حميد النهري، والذي أسهم بفعالية في إنجاح أشغال الملتقى وتهيئة الظروف لتقديم عروض ومداخلات مؤطرة وعميقة، على سبيل المثال لا الحصر؛ وفي مقدمتها مساهمة الدكتور حسن طارق وسيط المملكة، وعرض الدكتور محمد بنعليلو رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، إلى جانب المداخلة القيمة لعميد كلية العلوم القانونية والسياسية بالقنيطرة الدكتور أحمد أجعون، والمساهمة العلمية للدكتور عبد الكريم حيضرة رئيس شعبة القانون العام بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بمراكش، فضلا عن الورقة التحليلية المتميزة التي قدمها الدكتور عمر العسري منسق ماستر تدبير المالية العمومية بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط؛ وهي الأوراق التي نجحت في تفكيك هذا الشعار ومساءلة أزمة القبول الضريبي واقتراح آليات تشريعية وإجرائية عملية لربط الجباية بالإنصاف وتوطيد قنوات الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية. وقد حظي هذا الحدث بقيمة مضافة وازنة وزخم أكاديمي رفيع من خلال حضور ومشاركة قامات جامعية ومؤسساتية رفيعة المستوى تمثلت، على سبيل المثال لا الحصر، في رئيس جامعة عبد المالك السعدي الدكتور بوشتى المومني، وعميد كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بقلعة السراغنة الدكتور محمد الغالي، ورئيس الجمعية المغربية للعلوم السياسية الدكتور عبد الحميد بنخطاب، إلى جانب أساتذة التعليم العالي الأجلاء كالدكتور محمد المودن والدكتور غسان الأمراني من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية السويسي بالرباط، والدكتور صالح النشاط من كلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بالمحمدية. 

إن هذا التقاطع النوعي بين الرؤى الرقابية والحقوقية والالتفاف الجامعي الواسع على الصعيد الوطني، يفتح آفاقا عملية لتطوير قنوات الثقة بين المكلفين والإدارة الضريبية، ويكرس ريادة الجمعية كقوة اقتراحية لا محيد عنها لتطوير السياسات المالية وخدمة التنمية المستدامة بالمملكة.