في عالم اليوم، لم يعد التطرّف مرتبطاً فقط بالجماعات المتشددة أو بالعنف الديني، بل أصبح يتخذ أشكالاً متعددة؛ فهناك تطرّف فكري، وتطرّف سياسي، وتطرّف رقمي، وتطرّف في الخطاب اليومي الذي يغذي الكراهية والإقصاء. وما يجمع كل هذه الأشكال هو ضعف التفكير النقدي، وغياب القدرة على تحليل المعلومات وتمحيصها. وهذه المهارات لا تُكتسب إلا من خلال القراءة، والتعليم الجيد، والانفتاح على مختلف مصادر المعرفة.
تشير تقارير دولية إلى أن الدول التي تتمتع بمعدلات مرتفعة في القراءة والتحصيل العلمي تعرف مستويات أعلى من الثقة الاجتماعية، والمشاركة المدنية، والابتكار، كما تشهد انخفاضاً في معدلات العنف والجريمة. فالكتاب لا يصنع قارئاً فحسب، بل يصنع مواطناً قادراً على النقاش، واحترام الاختلاف، والتمييز بين الحقيقة والدعاية. لذلك، فإن الاستثمار في الثقافة ليس ترفاً، بل هو استثمار في الأمن الفكري والاستقرار الاجتماعي.
وفي المغرب، ورغم الجهود المبذولة لتطوير المنظومة التعليمية وتنظيم المعارض الدولية للكتاب ودعم النشر، فإن واقع القراءة لا يزال يثير الكثير من القلق. فالمكتبات العمومية قليلة مقارنة بعدد السكان، والكتاب ما يزال مرتفع الثمن بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين، كما أن القراءة الحرة لم تتحول بعد إلى عادة يومية داخل الأسرة أو المدرسة. والأخطر من ذلك أن الفضاء الرقمي أصبح بالنسبة إلى كثير من الشباب المصدر الأول للمعلومة، دون امتلاك الأدوات اللازمة للتمييز بين المعرفة الموثوقة والمحتوى المضلل.
ولا يعني هذا أن التكنولوجيا هي سبب الأزمة، بل إن المشكلة تكمن في طريقة استخدامها. فوسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن تكون فضاءً لنشر المعرفة كما يمكن أن تتحول إلى مصنع للشائعات وخطابات الكراهية. لذلك، فإن التحدي الحقيقي لا يتمثل في محاربة التكنولوجيا، بل في بناء ثقافة رقمية تجعل من المواطن قادراً على القراءة النقدية، والتحقق من الأخبار، ومقاومة التضليل الإعلامي. فالكتاب والوسائط الرقمية ليسا خصمين، بل يمكن أن يكونا شريكين في بناء مجتمع المعرفة إذا أحسن توظيفهما.
إن مواجهة التطرّف لا تبدأ عند الأجهزة الأمنية، بل تبدأ داخل الأسرة، وفي المدرسة، وفي المكتبة، وفي الجامعة، وفي وسائل الإعلام. فكل كتاب يُقرأ هو مساحة تنتصر فيها المعرفة على الجهل، وكل مكتبة تُفتح هي نافذة للحوار بدل الانغلاق، وكل طفل يعتاد القراءة هو مشروع مواطن يصعب استدراجه إلى خطاب الكراهية أو العنف. ولذلك فإن السياسات الثقافية يجب أن تُعامل باعتبارها جزءاً من السياسات الوقائية في مواجهة التطرف، لا مجرد نشاط ترفيهي أو موسمي.
إن السؤال الحقيقي ليس: لماذا ينتشر التطرّف؟ بل لماذا تراجع حضور الكتاب في حياتنا؟ فالمجتمعات التي تهجر القراءة تفتح الباب أمام الوهم، وتمنح الفرصة للأفكار المتشددة كي تملأ الفراغ. أما المجتمعات التي تجعل من الكتاب رفيقاً دائماً، فإنها تؤسس لعقول حرة، ومواطنين مسؤولين، ومستقبل أكثر أمناً. فحين يغيب الكتاب، لا يغيب الورق فقط، بل يغيب العقل النقدي، ويضعف الحوار، وتضيق مساحة الاختلاف. وحين يحضر الكتاب، يحضر الإنسان في أجمل صوره: عاقلاً، متسامحاً، ومؤمناً بأن الكلمة أقوى من كل أشكال التطرف.






