رأي

نورالدين قربال: الاستحقاقات التشريعية 2026

سيعرف المغرب استحقاقات تشريعية بشتنبر 2026 في ظروف إقليمية ودولية حرجة اتصفت في مصطلح “اللامعنى”، لذلك فمسؤولية الدولة والفاعل السياسي والمدني مسؤولية جسيمة، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التحديات التي يعيشها المغرب والتي نوجزها فيما يلي: تنزيل مبادرة الحكم الذاتي عن طريق الأمم المتحدة، ثم تنظيم بلادنا لكأس العالم رفقة إسبانيا والبرتغال، مع إصلاح ما يمكن إصلاحه بالنسبة لمنظومة الدولة الاجتماعية، خاصة على مستوى الاستدامة مؤسساتيا. كذلك نستحضر موضوع الأمن الغذائي، والطاقي والأزمة العالمية نتيجة الاضطرابات الدولية، ثم تصحيح الاختلالات التشريعية الحالية التي معظمها تسببت في اضطرابات مهنية واجتماعية وسياسية، ناهيك عن الاضطراب الاقتصادي الناتج عن اختلالات منهجية وأخلاقية، وغيرها من التحديات التي تنتظر مغرب 2026 إلى 2030.

بناء على ما ذكر يحتاج المغرب إلى كفاءات منتخبة ومعينة لها معرفة بما ينتظرنا في نطاق فهم عميق لما سيقع، من تم نحن في حاجة إلى كفاءات لها تحليل مبني على جيوستراتيجي، لذلك من الواجب أن نستحضر مفاهيم المشروعية، والكفاءة، والمشارك الواعية، والثقة. مثلا نطرح سؤالا جوهريا على عائد تنظيم كأس العالم على أحوالنا الاقتصادية والاجتماعية والجيوستراتيجية، بدل إغراق البلاد لا قدر الله في الديون وتفاقم الأزمات، نستحضر في هذا المقام نموذج إسبانيا التي كان تنظيم كأس العالم ببلادها سنة 1982 فرصة للإقلاع على جميع المستويات. ومن اجل فهم هذه المعادلة يلزمنا التركيز على القابلية للإقلاع وليس قابلية للانهزام. وهذا مرتبط بالإرادة السياسية واستحضار الاختيار الديمقراطي.

إن مواجهة هذه التحديات مرتبط بربط الكفاءات بالاختيارات السياسية، ليسهل وضع برنامج يأخذ بعين الاعتبار الأبعاد الجيوستراتيجية، التي تمهد الطريق لوضع سياسات عامة التي تتولد عليها سياسات عمومية وقطاعية وترابية. مع التحكم في الالتقائية والتوازن بين اللامركزية واللاتمركز الإداري.

تركز الحكومة في بسط الحصيلة أن 90 في المئة يستفيدون من التغطية الصحية، وشملت المساعدات المالية 20 مليون مستفيد، حوالي ستة ملايين اسرة. إذا سلمنا بصحة هذه الأرقام فإن الواقع المعيش مضطرب جدا. فكيف يفسر هذا؟ لا شك أن السبب في هذا التوجه الحكومي الليبرالي المتوحش الذي عجز عن التقليص من الأزمات الاجتماعية. بل غير سلم الطبقات المجتمعية، مما يطرح سؤال الجدوى من الدعم إذا لم يخفف من معاناة المستفيدين، فلماذا التهرب من التسقيف والذي في العمق لا يتنافى مع عقلنة التحرير؟ إن الدولة مفروض عليها التدخل في القضايا الاستراتيجية خاصة إذا كانت تهدد السيادة.

حسب تقديري المتواضع فإن التشريع الذي تبنته الدولة كأساس لخوض استحقاقات 2026 يفتقر إلى الحكامة والتوازن، ويتناقض مع مبدأ الاستحقاق. لأن اعتماد قاسما انتخابيا على أساس عدد المسجلين بدل الأصوات الصحيحة، هذا مخالف لإرادة المواطنين والاختيار الديمقراطي، وعدم تبني معايير موضوعية يقبلها العقل، ودخلنا في الاستدراك للأسف الشديد خاصة عندما تحررنا من العتبة، قيل لأبي العتاهية لم تقول ما لا يفهم؟ فأجاب: لم لا يفهم ما أقول. إذن المعادلة صعبة لأن المقارنة بين الإبداع السياسي والتفاهة السياسية. فأيهما يخدم الاختيار الديمقراطي؟ إن هذا الاختيار السهل غير الممتنع لا يساهم في إعادة الثقة، ولا يوسع المشاركة، ولا يؤسس لمؤسسات انتخابية رائدة كما يريد لها الدستور.

ملاحظة أخرى أن التمكين للشباب والنساء ما زال محتشما رغم الإجراءات الموضوعة والمتاحة نحو اللائحة النسائية، اللوائح المستقلة، والدعم لها ب 75 في المئة لأقل من 35 سنة. لكن كيف يقوم الملاحظون الترحال السياسي اليوم وما تحيط به من شبهات وشهوات.

تشرف الحكومة على اللجن المتخصصة في طريقة استعمال وسائل الاتصال السمعي البصري العمومي، خلال الحملة الانتخابية. فكيف ستتعامل هذه اللجنة مع غير المشاركين في الحكومة خاصة وأن التجارب أثبتت تجاوزات في هذا الباب في الظروف العادية فما بالك بالظروف الساخنة. نفس التحفظ على توزيع الدعم المالي الذي خصص للحملة الانتخابية والذي قدر ب 400 مليون درهم حسب ما ورد بالجريدة الرسمية.

إننا لا نريد أن نثبط العزائم، وإنما نسعى إلى التنبيه بأننا نعيش سياقا وطنيا ودوليا استثنائيا، والتمكين للنساء رافعة واستجابة للاختيار الدستوري الذي أصبح ثابتا من ثوابت الأمة. نحن نطمح أن يبقى مجتمعنا منفتحا على الجميع، ولكن برأسمال ديمقراطي منصف للجميع، في ظل المساواة والمناصفة وتكافؤ الفرص ومقاربة النوع، وحسن تدبير الشأن العام بناء على الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، وعقلنة القرارات في أفق التنمية الديمقراطية والديمقراطية التنموية.

بالمقابل فالمؤسسات السياسية والمدنية مطالبة بالمساهمة في تكوين وتأطير المواطنات والمواطنين، وإنتاج أطرو فعاليات وكفاءات التي ستساهم في وضع برامج فاعلة تتجاوز المشاكل والاخفاقات، وتتجاوز الفردانية والشخصانية إلى العمل المؤسساتي تنظيميا وسياسيا.

نستنتج مما سبق نريد استحقاقات تؤسس لمستقبل يعيد المصداقية للمراقبة والمحاسبة، وتبني اختيارات بانية تركز على التوازنات، وعقلنة النفقات. إن أي بناء جاد يتوقف على الشرعية السياسية المؤسس لمشروعية المشاريع الاجتماعية، والاختيارات العمومية، والدراسات المستقبلية، في إطار الجدلية الديمقراطية والسياسية. إن الأفكار السياسية تبني المؤسسات السياسية القوية التي تنتج تشريعا قويا، وسياسات عامة استراتيجية، وسياسات عمومية تخدم الدولة والمجتمع، وتدبير ترابي تنموي بشري مندمج ومستدام في أفق المصالحة بين اللامركزية واللا تمركز الإداري.