من جهة أولى، في هذا اليوم صوتت ثلاثة أحزاب من المعارضة ضد مشروع الحكومة المتعلق بقانون بمهنة المحاماة، وهذا في حد ذاته مكسب للمحامين، لأن المحاميات والمحامين استطاعوا فيه أن يؤلفوا ويوحدوا بين أحزاب لا تتقارب وجهات نظرها في قضايا سياسية وتشريعية عند تقديمها أو مناقشتها داخل المؤسسة التشريعية بالسرعة والوضوح كما حصل بالنسبة لقانون مهنة المحاماة، وهو كذلك انتصار سياسي للمهنة ولأهلها لأن تصويت الأحزاب شكل التقاء موضوعيا ليس مع المحامين، بل مع الأهداف الكبرى التي يريدون من الحكومة فهمها واستيعابها والتي لم تتملك الشجاعة للتعامل معها من خلال مقترحاتهم ومذكراتهم، ومن بينها ما يحقق تعزيز دولة القانون وضمان حقوق المتقاضين والمساواة أمام القانون في الحق في الدفاع، وتحصين جهاز القضاء بقوة قانونية من نساء ورجال الدفاع يتقاسمون معهم معركة إرساء قواعد المحاكمة العادلة بمسؤولية واستقلال وحرية داخل جهاز مهني مستقل دون وصاية عليه ولا حضانة، فليس هناك قضاء دون محاماة تمارس مهامها في استقلال عن كل جهاز أو سلطة مهما كانت..
من جهة ثانية، وفي هذا اليوم ارتفعت درجة الالتحام ورص الصف المهني بين المحامين وهيئاتهم، رسخت بينهم وعيا بدرجة الشعور بمخاطر ومقالب النص الحكومي" بأبعاد أخرى، أخرى، بعد أن فرضت عليهم الحكومة خياراتها فتجندوا منذ شهر مارس 2026 في وحدة وقناعة، وصفت بكونها انتفاضة مهنية لجمهور المحاميات والمحامين دفاعا عن أسس وقيم المهنة، بلغت مداها عندما أعلنت جمعية هيئات المحامين بالمغرب ونقباء الهيئات تنظيم اعتصام أمام البرلمان أتى إليه المئات من حملة البذلة السوداء من مختلف المدن، ومن هنا فهم الجميع وفهمت السلطة الحكومية والسلطة التشريعية بأن غضب المحامين غضب مشروع، وبأنهم يرفضون العبث السياسي بمهنة المحاماة وبأهلها، ويرفضون أن يغتنم نفر من الانتهازيين وتجار السياسة مواقعهم ونفوذهم، ليجعلوا المهنة مطية يعبرون فوقها وعلى كرامتها لتصفية الحسابات بينهم ولبناء مستقبلهم السياسي في زمن الإعداد للانتخابات، ولينقلوا تناقضاتهم ويفجرونها في ساحة المحاماة وضد المحاميات والمحامين طمعا في استمالة زبناء جدد وتوزيع تزكيات الاستقطاب إلى صفوفهم... فيالها من فضيحة تاريخية سقطت فيها حكومة في آخر ايام حياتها.
ومن جهة ثالثة، وفي هذا اليوم، انتصرت فيه المحاماة بالمغرب، لأنها كسبت تضامنا دوليا واسعا، وتحركت من أجلها مؤسسات دولية، وتنظيمات مهنية كبرى، لأنها تعرف كلها مكانة وأدوار ومواقف المحاماة والمحامين بالمغرب وليس هناك من دليل أكبر من تدخل المقررة الخاصة المعنية لاستقلال القضاء والمحاماة، ومن تضامن اتحاد المحامين العرب، والاتحاد الدولي المحامين، والمنظمة الدولية للهيئات، تضاف إلى عشرات الهيئات المغربية ومن الفاعلين ممن التحقوا بقافلة المناصرين.
هذا ما أقرأه في نهاية مسار المشروع المستفز والمستنفر، بعد التصويت عليه يوم الاثنين السادس يوليوز بالبرلمان، وهذه رغم قفل المناقشة البرلمانية، ليست هي النهاية أمام الهيئات وأمام المحامين، لأن أمامنا مهام المستقبل.
فلابد أن نفتح نقاشا بيننا وبين هيئاتنا ومع جمعيتنا، ومع مجتمعنا ومع حلفائنا ومع من نصرنا ومع من دعمنا ومن حملوا معاناتنا معنا، ولابد لنا أن نستوعب الدروس من معاركنا ومن تجاربنا، لابد أن نرسم لمستقبلنا ملامحه وآفاقه للحفاظ على مكاسب حققها نضالنا المشترك، فالمحاماة استمرار وبناء للأمال وخزان للأحلام، والمحاماة ولدت مع معارك متوالية من أجل قضايا الإنسانية، ومن هنا فمعاركنا بالمغرب من أجل مستقبل المحاماة هي جزء من هذا التاريخ المشرف أطلقته الأجيال وستواصل أجيال بإخلاص ووفاء.
ولابد أن نجد الأجوبة للرقم 85 وهو عدد البرلمانيين ممن صوتوا على النص بمجلس النواب، ليس للحقد عليهم أو لمعاداتهم، أبدا، فالحقد سلوك غريب عن المحامين لا يؤمنون به، والعداوة مرض يصيب ضعاف الإرادة، والمهنة يحملها المحامون بإرادتهم الصلبة، ولابد أن يفهم البرلمانيون والبرلمانيات ممن كان رأيهم مخالفا لرؤانا، بأن التاريخ سيعطيهم الجواب بأنهم لم يكونوا على صواب وبأن الكواليس البرلمانية ترسخ الاستبداد وتصنع زيف المواقف، ولأن أصواتهم المناصرة لمشروع الحكومة لن تمسح من ذاكرة الرأي العام الوطني والدولي مشروعية تصورات المحامين، وما قدموه من أفكار ومن مقترحات لبناء قانون مهني منسجم مع مستقبل العدالة، ولحشد الإرادات لتصبح مكانة وقوة المهن القانونية وعلى رأسها مهنة المحامين، هي الجاذبية المؤسساتية التي تشجع وتضمن الثقة في القضاء و تقوي من استقرار المعاملات، وأن كل محاولة للتشكيك في صلاحياتها أو تهجين أدوارها ستكون عواقبه وخيمة على حاضر ومستقبل المغرب كله.
ولابد أن نرى في العدد 35 من أصوات أحزاب المعارضة الثلاثة وهي الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية والعدالة والتنمية التي قالت لا، مكسبا سياسيا للمهنة وعلى الأقل كونها أفضل تحقيق مناورة الإجماع حول النص، وقوة دعم ودفع الإرادة والإصرار المحامين وتعزيزا لمؤسسات مدنية ومهنية تلعب أدوارها الدستورية في زمن الاحتكار والمنافسة والنفوذ..
وفي ختام الكلام، أعتقد أنه حان الوقت اليوم، لترسم جمعية هيئات المحامين ومعها الهيئات وكافة المحامين، مسارات جديدة لمهنة المستقبل ولقضاء المستقبل يحمى المجتمع وكرامته، فالجمعية قادرة على رفع النقاش القانوني في القضايا المصيرية، وقادرة على النهوض بالسيادة القانونية كمعيار للمساواة ولمنع التمييز بكل أشكاله وللقضاء على الفساد والمحسوبية، وقادرة أن تتصدى للممارسات السياسية الانتهازية والمنحرفة، وقادرة على التصدي للمخاطر التي تهدد المجتمع في حرياته وفي استقراره.
فلنتعاقد من أجل إنتاج وتنظيم قوة مهنية للمستقبل ومعها وزنها ومكاسبها وتاريخها ودروس تجاربها بعزم وبإصرار، لأن مجتمعنا مرهون بمدى وعى كل القوى المجتمعية، وكما يقول المفكر بيير برديو PIERRE BOURDIEU. إن مستقبل المجتمعات ليس مسارا خطيا مرسوما، بل هو محصلة دائمة للصراع والتنافس المستمر داخل مجالات متعددة..






