لا داعي للتذكير كل مرة بأن الانتخابات في المغرب تحديدا ، تشكل الركيزة الأساسية لهذا الخيار الديموقراطي الذي يعد ثابتا دستوريا راسخا ، تعززه عملية انتخابية تروم بناء مؤسسات تمثيلية تعكس إرادة المواطنين وتجسد التداول السلمي على السلطة .
ولا ندري إذا كان الجميع يعي جيدا ما تعنيه الانتخابات وموقعها الحيوي في المشروع الديموقراطي ، وإلا سنكون أمام مستويات مختلفة من السرعات والأهداف ، بين من يريد البناء والإصلاح واستشراف المستقبل ، وبين من يستغل هذه اللحظة للاتجار بالسياسة والأصوات وتغليب الولاء للمصلحة الخاصة على الولاء للمصلحة العامة ، والولاء للموقع على الولاء للوطن .
وما نراه الآن على الأقل ، ( ونحن على بعد ثلاثة أشهر من الانتخابات ) ، أن الصفارات انطلقت قبل الأوان ...
والأخطر من كل ما سبق ، أن يضع البعض قناعا سميكا على وجهه ، ويشرع في استعمال الموقع الحكومي منصة انتخابية ، ولا يخجل في تسويق القرار العمومي باعتباره رصيدا حزبيا ، ومن تحويل مؤسسات الدولة إلى جزء من معركة انتخابية مبكرة .
وهنا ، بالضبط ، تبدأ الكارثة ، حين تنمحي الحدود بين الدولة والحزب وبين السلطة والنفوذ وبين الخدمة العمومية والدعاية السياسية ، وتختلط الأوراق ويصبح الخطر محدقا بالدولة نفسها .
في هذه اللحظة ينبغي أن نسجل نقطة نظام أساسية ونقول إن الدولة ليست شركة مساهمة ، كما يتوهم البعض ، ولا غنيمة انتخابية وإرثا خاصا يتقاسمه المنتصرون . الدولة فكرة قبل أن تكون سلطة ، وهيبة قبل أن تكون حكومة ، واستمرار قبل أن تكون ولاية انتخابية .
وعليه ، فإن أول واجب وطني اليوم هو تحرير الدولة من كل أشكال الاستغلال السياسي ، إذ لن يثق مواطن في سلطة تستعمل إمكاناتها لتقوية أحزابها ، ولن يحترم مؤسسات يشعر بأنها فقدت مسافة الحياد ، ولا يؤمن بديموقراطية تبدو نتائجها وكأنها تصنع قبل أن تعلن .
إن الخطر الذي يهدد المغرب اليوم ليس وجود أغلبية قوية ، ولا معارضة ضعيفة ، بل احتمال أن تتحول السياسة إلى مجرد إدارة للمصالح ، وأن يتحول البرلمان إلى غرفة أرقام والأحزاب إلى شركات انتخابية والمنتخب إلى سلعة تنتقل من سوق إلى أخرى بحسب الثمن السياسي .
إنها معركة فاصلة بين دولة المؤسسات ودولة النفوذ ، بين شرعية الصندوق وشرعية الأداء ، بين السياسة التي تبني الثقة والسياسة التي تستهلكها .
ومن لا يدرك أن معركة 2026 ليست معركة أحزاب ، بل معركة دولة ، فإنه يقرأ المشهد بعين السياسة الصغيرة ، بينما التاريخ يكتب فصلا جديدا عنوانه : إما أن تنتصر الدولة على شهية السلطة ، وإما أن تدفع السياسة كلها ثمن هذا الانتصار المؤجل .






