والسياسة الشرعية في حقيقتها ليست علما لتبرير الظلم والاستبداد، ولا أداة لإضفاء الشرعية على كل سلطة قائمة، كما أنها ليست وسيلة لإسقاط الدول وإشاعة الفوضى باسم إقامة الدين وتطبيق الشريعة ، وإنما هي فن تحقيق مقاصد الشريعة في حياة الأمة، حيث تكون المصلحة المعتبرة هي الميزان، وتكون المحافظة على الضروريات الخمس أساس الأحكام، ويكون الاجتهاد قائما على فقه الموازنات وفقه الأولويات وفقه المآلات.
وفي هذا السياق قرر الإمام الشاطبي أن الشريعة إنما جاءت لتحقيق مصالح العباد في الدنيا والآخرة، وأن هذه المصالح تدور حول حفظ الدين، والنفس، والعقل، والنسل، والمال، وكرامة الإنسان ، وكل سياسة أهدرت هذه الضروريات فهي بعيدة عن روح الشريعة، ولو رفعت ألف شعار اسلامي ، وكل سياسة حفظت هذه المقاصد فهي أقرب إلى مقاصد الإسلام وإن تغيرت وسائلها وآلياتها.
ومن أعظم النماذج التطبيقية لهذا الفقه المقاصدي ما قرره الإمام أبو المعالي الجويني ( 1028 م - 1085م ) في كتابه "غياث الأمم في التياث الظلم" ، حين واجه أزمة سياسية غير مسبوقة في عصره، حيث ضعفت سلطة الخلافة العباسية، وبرز السلاجقة أصحاب القوة العسكرية، وأصبحت كثير من شروط الإمامة الكاملة متعذرة التطبيق. ولو تمسك الفقهاء آنذاك بجميع الشروط المثالية دون مراعاة الواقع لانفرط عقد الأمة، إلا أن الجويني أدرك أن الشريعة لا تهدف إلى المحافظة على الصور إذا أدى ذلك إلى ضياع المقاصد، وإنما جاءت لحفظ الأمة والدولة معا .
ومن هنا فرق بين الفقه الاختياري الذي يطبق في حال الاستقرار، والفقه الاضطراري الذي يعمل عند الأزمات، وهو تفريق في غاية العمق، لأن الشريعة نفسها قررت هذا الأصل في أبواب كثيرة، فأباحت للمضطر أكل الميتة حفظا للنفس، ولم تجعل ذلك تشريعا دائما، وأجازت التلفظ بكلمة الكفر عند الإكراه مع بقاء الإيمان في القلب، وأجازت الجمع بين الصلاتين في بعض الأعذار، وكل ذلك يؤكد أن الأحكام الاضطرارية لا تنسخ الأحكام الأصلية، وإنما تحفظها حتى تزول الضرورة .
وبهذا المنهج قرر الجويني أن وجود سلطان قادر على حماية الأمة وإقامة الأمن ورد العدوان أولى من فقدان الدولة بسبب التمسك ببعض الشروط التي أصبحت متعذرة، لأن وجود الدولة مع نقص بعض الكمالات خير من غياب الدولة كلية، فالمصلحة الضرورية مقدمة على المصلحة التكميلية، والضرورة لا تهدم الأصل وإنما تحفظه.
وقد وجد هذا التأصيل تطبيقه العملي في عهد صلاح الدين الأيوبي، الذي لم يكن خليفة قرشيا، ولكنه استطاع أن يوحد الأمة، ويقضي على الانقسام، ويحرر القدس في معركة حطين. ولو أن العلماء آنذاك أصروا على إسقاط شرعيته بسبب بعض الشروط المختلف فيها، لما تحقق ذلك الإنجاز الحضاري العظيم، ولظلت الأمة غارقة في صراعاتها الداخلية، بينما يواصل الصليبيون احتلالهم لبلاد المسلمين .
ثم تكرر الأمر بصورة أوضح مع دولة المماليك في مصر والشام والحجاز ، الذين كانوا في أصلهم مماليك ثم أصبحوا قادة للأمة، وقد تصدى الإمام العز بن عبد السلام لهذه النازلة بمنهج مقاصدي رصين، فلم يجعل شرط القرشية مانعا من إقامة الدولة، لأن الخطر المغولي كان يهدد وجود الأمة كلها، وكان الواجب الشرعي يقتضي المحافظة على الكيان السياسي الذي يستطيع الدفاع عن المسلمين. وكانت ثمرة هذا الفقه المقاصدي انتصار المسلمين في عين جالوت، وهو انتصار لم يكن مجرد معركة عسكرية، بل كان حفاظا على هوية الأمة الإسلامية وحضارتها.
إن هذه النماذج التاريخية تؤكد أن السياسة الشرعية لا تقف عند ظواهر النصوص، وإنما تنفذ إلى مقاصدها، وأنها لا تجعل الوسائل مقدسة، بل تنظر إلى آثارها ونتائجها، ولذلك قال العلماء إن تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة، وهي قاعدة من أعظم قواعد السياسة الشرعية.
وفي المقابل، فإن التاريخ الإسلامي يقدم أمثلة أخرى على تجاهل هذا المنهج المقاصدي، حين تحولت الخلافات السياسية إلى صراعات عقدية، وأصبح نزع الشرعية عن الدولة مقدمة لنزع الأمن عن الأمة. فكلما غابت الموازنة بين الضروري والتكميلي، وبين الثابت والمتغير، كانت النتيجة انهيار الدولة وتفرق الأمة، وهو ما يفسر كثيرا من الأزمات التي عرفها المسلمون في مراحل مختلفة من تاريخهم.
ولا يقتصر الأمر على التاريخ القديم، بل تؤكده كذلك التجارب المعاصرة التي رفعت شعار إقامة "الدولة الإسلامية" أو إعادة "الخلافة" من خلال إسقاط الدول القائمة، دون مراعاة لمآلات ذلك على الأمة ومصالحها. فقد شهدت الجزائر في تسعينيات القرن الماضي صراعا داميا بين الدولة والجماعات الإسلامية المسلحة، أسفر عن حرب أهلية أودت بحياة عشرات الآلاف، وأضعفت الدولة والمجتمع، دون أن تحقق المشروع الذي رفعت تلك الجماعات شعاراته. كما أدى انهيار مؤسسات الدولة في العراق بعد عام 2003، ثم في سوريا بعد عام 2011، إلى ظهور تنظيمات متشددة، وفي مقدمتها تنظيم ما يسمى بـ"الدولة الإسلامية" (داعش)، الذي أعلن إحياء الخلافة الإسلامية، غير أن النتيجة كانت سفك الدماء، وتمزيق وحدة المجتمعات العربية المسلمة، وتهجير الملايين، وإلحاق أضرار جسيمة بصورة الإسلام والمسلمين في العالم. وكذلك شهدت ليبيا واليمن نشوء جماعات اسلامية مسلحة رفعت شعارات دينية متباينة، فكان مآل ذلك تفكك مؤسسات الدولة، وانتشار الفوضى، وتعطل مصالح الناس، واتساع التدخلات الخارجية.
وما عرفته هذه البلدان من أزمات كانت نتاج الجهل بالسياسة الشرعية ومقاصد الشريعة بالإضافة إلى عوامل سياسية واقتصادية واجتماعية وإقليمية ودولية معقدة، غير أن السياسة الشرعية تقضي بأن يقاس أي مشروع إصلاحي بآثاره ومآلاته، لا بمجرد شعاراته . فإذا كان الطريق إلى إقامة الحكم الإسلامي يؤدي إلى انهيار الدولة، وإهدار الأنفس، وضياع الأموال، وتمزيق المجتمع، فإنه يكون قد ناقض المقاصد الكلية للشريعة، لأن الوسائل تأخذ حكم مقاصدها، ولا يجوز اتخاذ وسيلة يترتب عليها فساد أعظم من المصلحة المتوهمة منها .
كما أن بعض الحركات الإسلامية السياسية، رغم اختلافها عن التنظيمات المسلحة في الوسائل، وقعت أحيانا في جعل الوصول إلى السلطة أو إعادة بناء الدولة الإسلامية أولوية تتقدم على المحافظة على استقرار الدولة الوطنية ووحدة المجتمع، فدخلت في صدامات سياسية حادة عمقت الانقسامات الداخلية، وأسهمت في إضعاف مؤسسات الدولة، وهو ما يبرز الحاجة إلى ترسيخ فقه الموازنات والمآلات، حتى لا تتحول النيات الصالحة إلى نتائج تناقض مقاصد الشريعة .
ومن الأخطاء المنهجية التي وقعت فيها بعض التيارات الإسلامية المعاصرة أنها رفعت نظام الخلافة إلى منزلة أصول الاعتقاد، حتى غدا سقوطها في تصورها مرادفًا لسقوط الدين، وإقامتها مرادفًا لعودة الإسلام. وهذا تصور لا ينسجم مع ما قرره جمهور أهل السنة، الذين جعلوا الإمامة من مسائل الفروع والسياسة الشرعية، لا من أصول العقائد، إذ المقصود منها إقامة مصالح الأمة، وتحقيق العدل، وحفظ النظام. فإذا تعذَّر النموذجُ الكامل، وجب المحافظة على الممكن، لأن الشريعة لا تُكلِّف الناس إلا بما في وسعهم، ولأن الميسور لا يسقط بالمعسور.
ومن هنا فإن الدولة في التصور الإسلامي ليست غاية مستقلة، وإنما وسيلة لتحقيق مقاصد الشريعة، فإذا تحولت الوسيلة إلى غاية ضاعت المقاصد، وإذا أصبح الصراع على السلطة مقدما على مصالح الأمة، دخل المسلمون في دوامة من الفتن التي لا تنتهي .
كما أن الخطأ لا يقتصر على من يرفع شعار إسقاط الدولة باسم إقامة الخلافة، بل يشمل أيضا من يجعل الدولة معصومة من الخطأ والنقد، فيسقط فريضة الإصلاح وحرية النقد البناء، والتعاون على البرر والتقوى ، ويبرر كل مظاهر الظلم بحجة المحافظة على استقرار الدولة . وكلا الاتجاهين في الحقيقة يبتعد عن السياسة الشرعية؛ فالأول يهدم الدولة باسم اقام الدين، والثاني يهدم الدين باسم المحافظة على الدولة، بينما المنهج السني المقاصدي يجعل الأمة هي الأصل، والدولة خادمة لمصالحها، والسلطة وسيلة لإقامة العدل لا غاية في ذاتها .
ولهذا فإن الإمام الجويني لم يكن منظرا للاستبداد والظلم كنا يعتبره البعض، وإنما كان فقيها للمقاصد، يدرك أن المحافظة على كيان الأمة أولى من الانشغال بالشروط التي يؤدي التشبث بها في ظروف معينة إلى انهيار الدولة. وهذا هو الفهم الذي استوعبه بعده الإمام أبو حامد الغزالي، ثم طبقه الإمام العز بن عبد السلام في النوازل الكبرى، حتى أصبحت السياسة الشرعية مدرسة قائمة على مراعاة الواقع دون التفريط في المبادئ.
إن الأمة الإسلامية اليوم أحوج ما تكون إلى استعادة هذا الفقه المقاصدي، لأن كثيرا من الصراعات المعاصرة تقوم على ثنائية زائفة؛ إما الفوضى باسم إقامة الشريعة، أو الاستبداد باسم حفظ الدولة، بينما السياسة الشرعية تجمع بين الأمرين، فتحفظ الدولة لأنها ضرورة لحفظ الدين والنفس والمال، وتحفظ حرية الأمة لأنها مناط الاستخلاف والشهادة على الناس.
وإذا تأملنا واقع كثير من الدول التي انهارت في العقود الأخيرة، وجدنا أن سقوط مؤسسات الدولة لم يؤد إلى إقامة نموذج إسلامي أفضل، بل أدى إلى انتشار الفوضى والاقتتال الداخلي وضياع الأمن وتهجير الملايين وتعطيل مصالح العباد، وهو ما يؤكد أن المحافظة على كيان الدولة مقصد شرعي عظيم، شريطة أن يبقى الإصلاح مستمرا، وأن يظل ميزان العدل قائما، وأن تبقى الأمة شريكة في حماية مصالحها.
إن السياسة الشرعية ليست فقها للحاكم وحده، وإنما هي فقه للأمة كلها، لأنها تقوم على التعاون بين السلطة والعلماء والمجتمع في تحقيق المصالح العامة، ولذلك كان نجاح التجارب الإسلامية الكبرى مرتبطا دائما بوحدة الأمة قبل قوة الدولة، وبقوة المؤسسات قبل قوة الأشخاص، وبالمقاصد قبل الشعارات.
وفي الختام، فإن السياسة الشرعية في ضوء مقاصد الشريعة تقدم نموذجا حضاريا متوازنا، يجعل حفظ الأمة مقدما على الصراع حول السلطة، ويجعل المحافظة على الدولة وسيلة لحفظ الدين لا بديلا عنه، ويفرق بين الأحكام الأصلية والأحكام الاضطرارية، وبين المقاصد والوسائل، وبين الثوابت والمتغيرات. ومن هذا المنهج استطاع المسلمون أن يحققوا انتصارات تاريخية كبرى في حطين وعين جالوت والزلاقة وغيرها، لأنهم قدموا وحدة الأمة على خلافات السلطة، وحفظوا الضروريات قبل التكميليات، وعملوا بفقه الواقع دون أن يفرطوا في ثوابت الشريعة. كما تؤكد التجارب المعاصرة أن أي مشروع يفضي إلى إسقاط الدولة وتمزيق المجتمع، مهما كانت شعاراته، لا ينسجم مع مقاصد الشريعة التي جعلت حفظ الدين والنفس والمال والعقل والنسل أساس العمران. وهذا هو المنهج الذي تحتاج إليه الأمة اليوم إذا أرادت أن تبني دولة عادلة، وتحفظ وحدتها، وتحقق مقاصد الإسلام في الإصلاح والعمران والاستخلاف.






