فن وإعلام

الإنشاء... الدرس الذي لم ينته

يوسف السباعي (كاتب)

كلما قرأت ما كتبه عبد الفتاح كيليطو عن الإنشاء عدت بذاكرتي إلى القسم، إلى ذلك الدفتر الذي كان يفتح أمامنا بوصفه امتحانا صغيرا في الكتابة، بينما كان يخفي في داخله امتحانا أكبر في تكوين الذات. كان أستاذ العربية يطلب منا كتابة الإنشاء وكان أستاذ الفرنسية يفعل الشيء نفسه بلغته، لكنني كنت أشعر، منذ البدايات، أنني أجد نفسي في العربية أكثر وأن الكلمات تستجيب لي فيها بسهولة أكبر. لذلك كنت دائمًا من المتفوقين في مادة الإنشاء العربي وفي اللغة العربية، دون أن يعني ذلك أنني كنت بعيدا عن الفرنسية، بل كنت أتعلمها بمحبة وصبر، لأنها كانت تفتح لي نافذة على عالم آخر.

مرت السنوات ولم تغادرني الفرنسية، بل أصبحت جسرا أعبر منه إلى نصوص ومقالات وشذرات ومقاطع كثيرة ترجمتها منذ زمن بعيد، فاكتشفت أن اللغة الثانية لا تنافس اللغة الأولى، وإنما توسع أفقها وتمنحها حياة جديدة. هكذا أفادتني الفرنسية. والحقيقة أنها لم تسلبني العربية، بل أعادتني إليها أكثر وعيا بما تستطيع أن تقوله وأكثر قدرة على الإصغاء إلى اختلاف الأساليب والرؤى. وكل ترجمة أنجزتها كانت، في حقيقتها، تمرينًا جديدً في الإنشاء، لأن المترجم يعيد كتابة النص بلغته ويبحث عن الكلمة التي لا تخون المعنى ولا تفقد الموسيقى الكامنة فيه.

وحين يكتب عبد الفتاح كيليطو: "أن تكتب معناه أن تخطئ"، أشعر أنه يعبر عن تجربة عشتها أنا أيضا. لقد كنت، وأنا تلميذ، أظن أن مراجعة الإنشاء لا تحتاج إلا إلى دقائق قليلة لحذف خطأ نحوي أو تصحيح كلمة سقطت سهوا. أما اليوم، فإنني لا أطمئن إلى نص كتبته مهما أعدت قراءته. في كل مراجعة أكتشف نقصا جديدا أو عبارة كان يمكن أن تكون أكثر دقة أو جملة تستحق أن تولد من جديد. وهكذا أدركت، كما أدرك عبد الفتاح كيليطو بعد سنوات من الكتابة، أن الخطأ ليس مجرد سهو عابر، بل جزء من طبيعة الكتابة نفسها وأن النص لا يكتمل إلا عبر مراجعات متكررة لا تنتهي إلا عندما يقرر الكاتب أن يتوقف لا لأن النص بلغ الكمال، بل لأن زمنه قد انتهى.

لقد تعلمت أن الكتابة ليست الوصول إلى الكمال، وإنما الاقتراب منه دون بلوغه. وأن الخطأ ليس عدو الكاتب، بل رفيقه الذي يدفعه إلى إعادة التفكير في كل كلمة وكل فاصلة. وربما لهذا السبب لا تنتهي الكتابة أبدا، لأن النص يظل يطالب صاحبه بقراءة أخرى وبصياغة أخرى وبحياة أخرى. وكلما ازداد الكاتب خبرة ازداد تواضعا أمام اللغة، لأنها تظل أوسع من كل ما يكتبه عنها أو بها.

لقد بدأت رحلتي مع الإنشاء المدرسي، لكنها لم تتوقف عند حدود المدرسة. لقد تحولت إلى مشروع قراءة وترجمة وكتابة، وإلى يقين بأن الكاتب الحقيقي يظل تلميذا أمام لغته مهما كتب ومهما نشر. وما زلت، كلما أنهيت نصا، أعود إليه بعين مختلفة، مؤمنا بأن المراجعة ليست تصحيحا للأخطاء فقط، بل هي كتابة ثانية للنص، وكتابة ثانية للذات أيضا (وقع لي ذلك في طرائق تصحيح قصصي). وربما كان هذا هو الدرس الأعمق الذي تعلمته من الإنشاء، والذي أعاد عبد الفتاح كيليطو تذكيري به: أن الكتابة ليست انتصارا على الخطأ، وإنما حوار لا ينتهي معه، وأن كل نص جديد هو محاولة أخرى للاقتراب من اللغة، ومن نفسي، دون أن أصل إلى النهاية. ولعل أجمل ما منحني إياه الإنشاء المدرسي أنه لم يعلمني كيف أكتب فحسب، بل علمني كيف أقرأ نفسي وكيف أشك فيما أكتب، وكذلك كيف أبدأ من جديد كلما ظننت أنني وصلت إلى النهاية.