أثبتت كرة القدم المغربية أن الانتصارات لا تُصنع داخل المستطيل الأخضر وحده، بل تُبنى أيضًا في مكاتب التخطيط، حيث تُرسم الاستراتيجيات، وتُرصد المواهب، وتُتابَع الكفاءات المغربية المنتشرة عبر العالم بدقة واستمرارية.
فعلى مدى سنوات، نجحت الجهات المشرفة على كرة القدم الوطنية في إنشاء قاعدة بيانات ضخمة تضم آلاف اللاعبين من أصول مغربية الذين ينشطون في مختلف البطولات الأوروبية والعالمية.
وخلف كل اسم قصة، ومسار، وانتماء رياضي، وجذور عائلية، وإمكانات واعدة، بل وأحيانًا سنوات من الحوار والإقناع حتى يحمل اللاعب القميص الوطني ويدافع عن ألوان بلاده.
إنها سياسة تتطلب الوقت، والموارد البشرية، والسفر، والمفاوضات الطويلة، والاستثمارات المالية المهمة.
لكنها أثبتت نجاعتها، وأصبح الجميع اليوم يعتبرها نموذجًا ناجحًا للتخطيط الاستراتيجي بعيد المدى.
غير أن هذا النجاح يطرح سؤالًا يتجاوز حدود الرياضة.
لماذا لا يعتمد المغرب المنهج نفسه في استقطاب كفاءاته العلمية والطبية والتكنولوجية والصناعية المنتشرة في العالم؟
فالمغرب يمتلك بدوره «منتخبًا وطنيًا» من الباحثين، والأطباء، والمهندسين، والمعماريين، وخبراء الذكاء الاصطناعي، والطيران، والطاقة النووية، والبيوتكنولوجيا، والتقنيات الكمية، الذين يعملون في أرقى الجامعات، وأفضل المستشفيات، وأهم مراكز البحث، وأكبر الشركات التكنولوجية في مختلف القارات.
إنهم ثروة استراتيجية حقيقية، لكنها لا تزال، في كثير من الأحيان، غير مستثمرة بما يليق بقيمتها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعداد خريطة وطنية شاملة للكفاءات المغربية بالخارج، تكون عبارة عن قاعدة بيانات ديناميكية تُحدِّد تخصصاتهم، وأبحاثهم، وبراءات اختراعهم، ومسؤولياتهم، وشبكاتهم العلمية الدولية، ومدى استعدادهم للمساهمة في تنمية وطنهم، سواء عبر العودة النهائية أو من خلال مساهمات مؤقتة ومنتظمة.
وكما يراقب كشاف المواهب لاعبًا شابًا لسنوات قبل استدعائه إلى المنتخب الوطني، يمكن للدولة أن تُنشئ فرقًا متخصصة تتواصل باستمرار مع هذه العقول، وتحافظ على جسور الثقة معها.
وليس المقصود فقط تشجيعها على العودة النهائية، بل أيضًا اقتراح صيغ مرنة للتعاون، مثل المهمات العلمية المؤقتة، والمختبرات المشتركة، والكراسي الجامعية، وبرامج البحث التعاونية، ومنصات الابتكار، والمشاريع الصناعية الكبرى.
ولا شك أن مثل هذه السياسة تتطلب استثمارات مالية ضخمة.
فاستقطاب أستاذ عالمي، أو جرّاح مرموق، أو خبير في أشباه الموصلات، أو متخصص في الطاقة النووية، يقتضي توفير بيئة عمل تنافسية، ومختبرات متطورة، وتمويلًا مستدامًا للبحث العلمي، وأجورًا تتماشى مع المعايير الدولية.
لكن السؤال الحقيقي هو: هل ينبغي النظر إلى هذه النفقات باعتبارها عبئًا ماليًا... أم استثمارًا استراتيجيًا؟
فكل باحث كبير يعود إلى الوطن قادر على تكوين عشرات الباحثين الشباب.
وكل فريق بحث متميز يمكن أن يُنتج ابتكارات، وبراءات اختراع، وشركات ناشئة، ويجذب استثمارات أجنبية، ويعزز السيادة العلمية والتكنولوجية للمملكة المغربية.
إن العائد الاقتصادي والاستراتيجي لمثل هذه الاستثمارات يفوق بكثير كلفتها الأولية.
لقد دخل العالم اليوم مرحلة جديدة من التنافس، لم تعد فيها الثروات الطبيعية وحدها معيار القوة، بل أصبحت الكفاءات البشرية هي الرهان الحقيقي.
وأصبحت الدول تتسابق لاستقطاب أفضل العقول، باعتبارها موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن الطاقة أو البنية التحتية.
والمغرب يمتلك اليوم مؤهلات قوية تؤهله للنجاح في هذا الرهان، من بينها جالية مغربية عالية التأهيل، واستقرار مؤسساتي، واقتصاد صناعي متنامٍ، خاصة في قطاعات السيارات، والطيران، والطاقات المتجددة، والتكنولوجيا الرقمية.
لكن هذه المؤهلات تحتاج إلى رؤية وطنية واضحة، وسياسة عمومية طموحة، تجعل من استقطاب الكفاءات المغربية بالخارج خيارًا استراتيجيًا للدولة، وليس مجرد مبادرات متفرقة.
فإذا نجح المغرب في استعادة مواهب كروية أسعدت الملايين وأهدت الوطن إنجازات تاريخية، فإنه قادر أيضًا على استعادة العقول التي ستنهض بالمختبرات، والجامعات، والمستشفيات، ومراكز الابتكار، والصناعات المستقبلية.
فالانتصارات الرياضية تُلهب المشاعر، وتغذي الاعتزاز الوطني.
أما الانتصارات العلمية، فهي التي تبني قوة الدول، وترسخ سيادتها، وتصنع مستقبل أجيالها.
ولعل أهم صفقة سيبرمها المغرب في المستقبل لن تكون على أرضية ملعب لكرة القدم، بل داخل مختبر بحث، أو قاعة عمليات، أو مركز فضائي، أو جامعة، حيث تُصنع المعرفة، ويُرسم مستقبل الأمم.
إن الوقت قد حان لأن يُطلق المغرب، بالقدر نفسه من الطموح والإصرار، سياسة وطنية لتجنيد العقول المغربية، تمامًا كما نجح في تجنيد مواهبه الكروية.
فالأوطان التي تربح معركة العلم، هي التي تضمن لنفسها مكانًا بين الأمم الرائدة.






