ليس من السهل على المحامي أن ينتقد وزيرا للعدل كان بالأمس زميلا له في المهنة. والأصعب من ذلك أن يكون هذا الوزير قد تقاسم معه قاعات المحاكم، وهموم الدفاع، والنضال الحقوقي، والإيمان بأن المحاماة ليست مجرد مهنة، بل رسالة.
لهذا السبب، استبشرت خيرا مرتين.
استبشرت خيرا يوم عين الأستاذ مصطفى الرميد وزيرا للعدل، ثم استبشرت خيرا مرة أخرى يوم تولى الأستاذ عبد اللطيف وهبي الحقيبة نفسها.
ولم يكن تفاؤلي نابعا من انتمائهما السياسي، بل من معرفتي بهما، ومن قناعتي بأن من عاش المحاماة من الداخل سيكون أقدر على فهم استقلالها، وأحرص على صيانة كرامتها.
عرفت الأستاذ مصطفى الرميد أول مرة سنة 1992، عندما كان يتولى الدفاع عن أعضاء مجلس الإرشاد لجماعة العدل والإحسان إلى جانب المرحوم الاستاذ عبد اللطيف الحاتيمي. يومها كان محاميا متمرسا يشق طريقه، ومدافعا شرسا عن الحقوق والحريات، وكانت مرافعاته لا شك تعكس إيمانا عميقا برسالة الدفاع.
أما الأستاذ عبد اللطيف وهبي، فقد جمعتنا بداية الطريق نفسها. أدينا معا اليمين القانونية يوم 31 أكتوبر 1989، يوم التحاقنا بالتمرين. عشنا الانتماء إلى المهنة نفسها، وتقاسمنا الإيمان بأن المحاماة حصن من حصون العدالة، وأن استقلالها خط أحمر لا ينبغي المساس به.
لذلك، كان من الطبيعي أن يكون سقف انتظاراتي مرتفعا.
لكن السنوات مرت، وجاءت التجربة بما لم أكن أتوقع.
منذ سنة 2013، دخلت العلاقة بين وزارة العدل والمحاماة مرحلة من التوتر المستمر. تغير الوزراء، واختلفت السياقات السياسية، لكن المفارقة بقيت واحدة: أشد الأزمات التي عرفتها المحاماة كانت مع وزيرين يحملان صفة “محام”.
قد تختلف المواقف بشأن حصيلة كل واحد منهما، وقد يسجل لهما التاريخ ما يراه من إصلاحات أو مبادرات، لكن من الصعب إنكار أن العلاقة بين وزارة العدل والمحامين عرفت، خلال عهديهما، واحدة من أكثر مراحلها احتقانا.
وهنا تكمن المفارقة.
فكلاهما مارس السياسة، وكلاهما انخرط في العمل الحقوقي، وكلاهما دافع في ملفات كبرى وحساسة، وكانا يعلمان، أكثر من غيرهما، أن استقلال المحاماة ليس امتيازا مهنيا، وإنما ضمانة من ضمانات المحاكمة العادلة ودولة القانون.
لذلك كان الاعتقاد السائد أن وصول أحد أبناء المهنة إلى وزارة العدل سيعيد بناء جسور الثقة بين الوزارة والمحامين، وسيفتح صفحة جديدة من الحوار والاحترام المتبادل.
لكن الواقع سار في اتجاه مختلف.
لا أكتب هذا من باب الخصومة، ولا رغبة في تصفية الحسابات، وإنما من موقع محام عاش تلك المراحل، وعرف الرجلين قبل أن يصبحا وزيرين، وكان شاهدا على التحول الذي طرأ على العلاقة بين الوزارة والمهنة.
لقد تعلمت من هذه التجربة أن الوصول إلى السلطة يغير زاوية النظر. فالمحامي وهو في قاعة المحكمة يدافع عن استقلال المهنة بكل قوة، لكنه عندما يجلس على كرسي الوزارة يصبح محكوما باعتبارات أخرى، وقد يغلب منطق السلطة على ذاكرة المهنة.
وربما لهذا السبب كانت خيبة الأمل كبيرة.
لأنها لم تكن خيبة في وزيرين فقط، بل في حلم راود جيلا كاملا من المحامين، كان يعتقد أن وصول أحد أبنائه إلى وزارة العدل سيكون انتصارا للمحاماة، فإذا به يتحول، في نظر كثيرين، إلى بداية مرحلة من أصعب مراحل العلاقة بين الوزارة وهيئات الدفاع.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل محام، وكل مهتم بالشأن القضائي:
كيف استطاع وزيران عرفا المحاماة، ومارسا السياسة، وخاضا العمل الحقوقي، وترافعا في أكبر القضايا، أن يعجزا عن بناء علاقة ثقة مع المهنة التي صنعت اسميهما؟
إنه سؤال لا يتعلق بالأشخاص بقدر ما يتعلق بطبيعة السلطة، وبقدرتها أحيانا على أن تجعل المسؤول يرى الأمور من خلف مكتب الوزارة، لا من خلف منصة الدفاع.






