(إننا لا نحب الأشياء لأنها جميلة، ولكننا نصَيِّرها جميلة لأننا نحبها)
باروخْ سبينوزا
يخافها الخائف القَلِقُ المتوتر دوما. يخافها مرتكب الآثام بمعناها الفعلي الحسي لا الديني الميتافيزيقي، ومقترف الجرائم البشعة الدامية. ويخافها من لا ثقة له بنفسه إذْ يتصور نفسه فيها شيطانا أشِراً، ومسخا عجائبيا مثيرا للقرف والشفقة. ويخافها أخيرا من لا يخافها.
ذلك أن المرائي، وهي اختراع وابتكار ضارب في البعيد السحيق من الأزمنة والعصور، رافقت الإنسان، وبنت شخصيته، وشيدت ذاته، ومنحته الفكرة في أن يكون ذا أبعاد أخرى لعل أهمها أن يكون البعد النرجسي الذي يزين للرائي في المرائي، وجهه المبحوث عنه.. وجهه المطلوب والمنشود والمبتغى، حيث ترتسم أمارات وسمات ظلت طي المجهول والمحجوب، فإذا بالمرآة تبعثها وتحييها وتمنحها الصورة والكلام، وتضفي على الناظر إليها، اعتداداً واستقواءً ولو بالأوهام. وفي سياق مغاير ومختلف تماما، تنهض المرآة بوظيفة التشطيب والمحو، أو بدور التشويه والتشظية والانكسار. والمسألة ـ أولا وأخيراً ـ ترتد إلى المزاجية والعوامل النفسية، والمكانة الاجتماعية، والوضعية السوسيوـ اقتصادية، والمستوى التعليمي والتربوي والثقافي. ما أعنيه بهذا: أن انتماء الإنسان إلى جغرافية محددة، وتاريخ بالذات، ولغة حمّالة ثقافة غميسة ومركبة، ودين صريح ينطوي على أوامر ونواهٍ، ومحرمات ومندوبات، وتأويلات بشرية حادت عن المعنى، أو ماشَتْ المهيمنة الإبستمولوجية لمرحلة تاريخية ما. جميع هذا، يحدد مجراه ومسراه، ورؤيته ورؤياه. وبالتالي: نظره ومنظوره للأشياء والأحياء والوجود والموجودات. وقبل ذلك، تحدد نظره لنفسه ولذاته وكينونته. فالمرآة التي مدار ورقتنا عليها، إنما هي المربع والمستطيل أو الدائري الزجاجي محدبا أو مقعرا، أو مستويا، أو مُغَبّشا معشَّقاً. ثم هي: أنتَ من حيث كونُك آخرَ مختلفا رائيا بدورك، ومرئيا في الوقت نفسه. أيْ أن الإنسان الشبيه والمختلف الذي انبثق من طينتك الواحدة، يشكل مرآة لك بدوره. ففيه وعبره تَراكَ. ترى من تكون، وما أهميتك لديه، وشخصك الكامل أو الناقص في عينيه. وبالمثل، تنعكس الآيةُ: فيصبح ـ وقد حلَّ الدور عليه ـ مرآةً لك.. صفحة ناصعة أو مُضَبّبة بقدرٍ يزيد أو ينكمش. ولكنها مرآة/ صفحة تجعلك تراه في عريه النفسي والقيمي مهما حاول أن يُخفيَ ذلك، ويُلْبِسُه القشيب من الأردية، ويزخرفه بما يجد ويعثر عليه في المحلات والفيترينات ـ النيّونية. الإنسان شفاف وشفيف وإنْ قَدِرَ بمكره الموصوف به، مواراةَ شفوفه، واختراع غموضه ليظهر بمظهر غير ما هو عليه في السالف والحال والمآل. إنها الرغبة في أن يخلق من ذاته المفردة المحشورة والمحشوة في الزمان والمكان، المسكونة بالثقافة والمواضعات، ذاتا أخرى، ذاتا شهوية مطلوبة تستهيم بنفسها في ما سماه عالم النفس الفرنسي لاَكانْ ب"الاستيهام". وحينها فقط، تتصلب الرغبة المتوهمة فتغدو واقعا تُسْقِطُ عليه الذات الناظرة، رغائبَ الذات المنظورة. تغدو واقعا شخصيا مُذَوّتا ومُؤَمْثَلاً. ما يعني أن الذات في حقيقتها وجوهرها، هي ذاتٌ مقصومة ومشطورة ومزدوجة، وأن الرغبة هي ما يصهرها ويُمَاهيها بالخارج ـ ذاتي، فتصبح ذاتا مُصْمَتةً واحدةً أو هكذا يتَبدّى ويظهر. ثمة سعيٌ لا يعْيَا، ومحاولة حثيثة لفصل الذات الناظرة عن صلصالها، أي فصلها عن، وفك ارتباطها بتاريخها وماضيها، ومسلسل تشكلها. لأن الواقعة الاجتماعية قسرية بطبيعتها مما يقود ويحمل على معايشتها ومساكنتها، أو نفض اليد منها، والابتعاد عن الانخراط في أتونها وحيثياتها. فالجسد الاجتماعي يتذوت ويتفتت بحسبان المرغوب والمنشود والمُمَرْأَى (المنعكس على المرايا/ المرائي)، فيصير جسدا ذاتيا أو مذوَّتاً بالأحرى. هذا، مع الأخذ بعين النظر، ما ذهب إليه الفيلسوف جيلْ دولوزْ من أن اللاشعور والرغبة يتصلان بالواقعي لا بالخيال ولا بالهذيان. فهل يقتضي الأمر والواقع أن نكسر المرآة التي بوساطتها تفكر الذات، أم نقمع ميتافيزيقا الذات التي بوساطتها تفكر المرآة؟
ومن ثمَّ، فإننا نختلف مع من قال بأن الإنسان قوقعةٌ مُلْتَمَّة على نفسها، "حَجَرٌ تنبو الحوادثُ عنه وهو ملموم". الزمن حين يمشي، يُعرّي ويكشف الحقائقَ المخفية، والنوازعَ والنوايا المطوية. إنَّه مِرآة المرايا الصقيلة.. المُخْبرُ.. الواشي، الفاتقُ للمغلق، والنّسّابُ للمطلق. وليس عبثاً أن يقول الشاعر الوجودي العظيم "سارق النار" نوفاليسْ الشعر العربي القديم: طرفة بن العبد:
ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا //// ويأتيك بالأخبار من لم تزود
وما الأيام إلا فلذةٌ من الزمن حين تتوالى وتتراكبُ، تُشَكِّلُه وتُسمّيه، بل تتَسَمّى: دهراً. وإذا كان الأمر كذلك، فالزمن ـ كما أسلفنا ـ بالمعنى التنبؤي الذي رامَه الشاعر، يعد مِرْآة على صفحتها، وضمن قعرها السحيق، نقرأُ ونستقريءُ حقيقة الناس وسلوكهم، وأحزانهم وأفراحهم، ودخائلهم وَفْقَ وقائع وأحداثٍ وسياقاتٍ وظروفٍ ذاتية وموضوعية لا سبيل إلى تعويمها أو إغراقها أو طَمْرها. ترانا نخلط بين الأمور ونحن ننتقل من المرايا بما هي زجاج يرينا أوجهنا وملامحنا وسماتنا صباح ـ مساء، متوسمين فيها ما يرينا جمالنا ووسامتنا لا ما يرينا قبحنا وبشاعتنا، وتشوهاتنا. لكنها، وهي تفعل ذلك لأنه وظيفتها، تحيلنا حالاً على بواطننا ودخائلنا، فإذا وافقت مزاجنا البدئي الرائق، ابتسمنا ورتبنا ما به تكون زينتنا، وما به يريح أغيارنا، فيسعدنا ويسعدهم. أما إن لم تجد ترحابا نفسيا منا، أَرَتْنا عبوسا قمطريرا، وجهامة، وانكماشا وتَغضُّنا نَبْتليهِ، فنقضي سحائب أيامنا بل وأشهراً معدوداتٍ، حزانى خاملين، كثيري التبرم والشكوى، نَصُبّ لعناتنا وسِبابَنا على الخاص والعام.. على الأشياء والكائنات، والعالم الذي نعيش فيه.
المرايا رفيقٌ شئنا أم أبينا، وليس فينا ومنا من يتخطاها وينبذها ولا يؤثت جدران منزله بها، ولا يرمق نفسه، ويتأمل سحنته فيها قصدا أو عرضاً ليصفف شعره، ويعدل هندامه، ويصلح وجهه، ويبتسم لها. وقد يكلمها ويحادثها، ويسألها الرأي في ما تبصره، وينعكس عليها. فهل للمرائي عيون وشفاه ولسان، وقلب ونبض وروح أولا وأخيرا؟
نعم، استفتوا في الأمر نساءنا طُرّاً بل رجالنا جميعا. فمن قال بأن الرجال "الفحول" ذوي اللحى الطويلة الكثة، والشوارب السميكة المستوية أو المعقوفة، لا ينظرون إلى وجوههم، وإلى ما هم فيه وعليه، وإنهم يتفادون النظر إلى المرائي صوْنا "لرجولتهم" وغلظتهم، وإدامة "لخشونتهم"؟ أبداً، فإنهم كأخواتهم النساء، يمحضون المرايا كل اهتمامهم ومحبتهم، وهيامهم، وحواراتهم وتوسلاتهم. وليس بخافٍ، أن للتطور ولمنطق العصر والتغيير، والحضارة المعولمة، يداً في كل هذا. المرأةُ تقتني وتحرص على اقتناء "الماكياج" وأنواع البودْرات، وما يصنع أو يزيد في صنع الجمال. والرجل كذلك إلا من "رَحِم ربي"، أو رأى أن في ذلك منقصةً وعيباً وأنثوية وخنثوية، واستفساخا لما جُبِلَ عليه. لكن، ما الذي جبل عليه؟ أليس غير ما أنتجته الثقافات في تحركها وتمددها، وما راكمته التجارب والخبرات، فبات مركوزا مرسوناً كأنه خُلِقَ وفُطرَ مع الذكر؟
وإذاً، لِنُجِبْ على عنوان الورقة: من يخاف المرايا؟، قائلين: يخافها كل كذّاب ومنافق ومجرم لأنها تعريهم وتظهر سوءاتهم. ويخافها، بكل تأكيد، ملطخو الأيدي بدماء الآخرين، البشعون نفسيا، الآكلون خبز الآخرين، المصادرون على حق الناس في الحياة الكريمة، والكرامة البشرية التي لا مساومةَ فيها. لأنها تريهم وتذكرهم بولوغهم في دماء الناس، وسرقة حق الناس، واجتياف مستقبل الناس. أما ما قصناه بالمرايا، فهي المرايا بحصر المعنى والدلالة، والمرايا بوسيع المعنى ومجازه الذي ينسحب على السؤال والحَوْكَمة، والعقاب، ويقظة الضمير وإِنْ في الوقت المتأخر.. في الوقت الميت.
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،
إضاءة ملحقة:
ألاَ تكونُ أمثولة "الكهف" الأفلاطونية الفلسفية والأنطولوجية والميتافيزيقية، هي المِرْآةُ التاريخية العملاقة العابرة للأزمنة والقرون والثقافات، التي تقرؤنا مثلما نقرأ أنفسنا فيها، بشكل أو بآخر، متأرجحين بين المثال والطين؟ بين العري والقناع؟؟






