هذا ما خطر ببالي وأنا أتابع التحقيق الأخير الذي نشره تحالف Forbidden Stories بشأن برنامج Pegasus. لم أشعر أن واجبي كمغربية هو أن أرفضه لأنه يتناول بلدي، كما لم أشعر أن الموضوعية تقتضي أن أتعامل معه باعتباره حقيقة نهائية. بين هذين الموقفين مساحة أراها أكثر احتراما للعقل: أن أقرأ، وأن أسأل، وأن أطالب بالدليل.
لقد أصبحنا نعيش زمنا تُصنع فيه القناعات بسرعة أكبر من صناعة الأدلة. يكفي أن يصدر تحقيق عن مؤسسة إعلامية ذات سمعة دولية حتى يتعامل كثيرون معه بوصفه نهاية القصة، لا بدايتها. وهنا يبرز سؤال لا يتعلق بالمغرب وحده، بل بكل دولة، وبكل قضية كبرى: هل تكفي شهرة الجهة الناشرة لمنح التحقيق سلطة الحقيقة؟
في تقديري، لا.
شهرة المؤسسة تمنحها الثقة، لكنها لا تمنحها العصمة. والتاريخ الإعلامي نفسه يعلمنا أن الصحافة الكبرى اكتسبت مكانتها لأنها تقبل المراجعة والتصويب والنقد، لا لأنها فوق الخطأ. والفرق كبير بين أن نحترم التحقيق، وأن نعتبره حكما نهائيا.
أقول هذا دفاعا عن مبدأ لو فقدناه، فلن يبقى أحد بمنأى عنه. فكل دولة، صغيرة كانت أو كبيرة، تستحق أن تُناقش الاتهامات الموجهة إليها وفق معايير واحدة: قوة الأدلة، واتساق المنهج، وإتاحة الفرصة للرد، والتمييز بين ما هو ثابت وما هو استنتاج.
لكن هناك سؤالا آخر لا يقل أهمية.
لماذا أصبحت مثل هذه التحقيقات تكتسب هذا التأثير الدولي الهائل؟
الإجابة، في رأيي، أن العالم تغير. لم تعد الدول تتنافس فقط على الحدود، أو الاقتصاد، أو التسلح. لقد دخلت السمعة إلى معادلة القوة. صورة الدولة اليوم تؤثر في استثماراتها، وشراكاتها، وموقعها الدبلوماسي، وثقة الرأي العام العالمي بها. ولذلك لم تعد المعركة على الوقائع وحدها، بل على الكيفية التي تُروى بها تلك الوقائع.
ولا يعني ذلك أن كل تحقيق جزء من صراع جيوسياسي، فمثل هذا التعميم لا يقل خطورة عن التسليم المطلق بكل ما يُنشر. لكنه يعني أن أثر التحقيقات الكبرى لم يعد إعلاميا فقط؛ فهي، بحكم تأثيرها الواسع، تدخل أيضا في بيئة سياسية ودبلوماسية معقدة، ومن الطبيعي أن تُقرأ في هذا السياق إلى جانب قيمتها الصحفية.
ولذلك لا أجد نفسي مضطرة للاختيار بين موقفين متطرفين: تصديق مطلق، أو تكذيب مطلق. كلاهما يريح صاحبه من عناء التفكير..أما أنا، فأختار طريقا آخر.
أختار أن أكون مغربية لا تعتذر عن انتمائها، وكاتبة لا تتنازل عن عقلها. أرفض أن تتحول الوطنية إلى ستار يحجب الأسئلة، كما أرفض أن تتحول شهرة الناشر إلى بديل عن الإثبات. فالقضايا التي تمس الدول لا تُحسم بالانطباعات،ولا بالعناوين، بل بالوقائع، و التمحيص.
ولذلك فإن دفاعي عن المغرب لا يقوم على إنكار كل اتهام، بل على المطالبة بأن يُعامل بالمعيار نفسه الذي أطالب به لأي دولة أخرى. فإذا كان الدليل كافيا، فليتحدث الدليل. وإذا كان النقاش لم يكتمل بعد، فلا ينبغي أن يسبق الحكمُ الحقيقة.
فالعدالة لا تبدأ عندما نثبت الإدانة.
العدالة تبدأ عندما نرفض أن نجعل الاتهام إدانة..
لنا عودة للموضوع من زاوية أخرى
✍️ميمونة الحاج داهي






