لقد تنبه عدد من كبار المفكرين إلى خطورة هذا التحول، لكن اثنين منهم في منطقتنا قدما من أكثر المقاربات عمقاً وتكاملاً؛ هما الروائي وأمين سر الأكاديمية الفرنسيةأمين معلوف في كتابه "الهويات القاتلة"، و والروائي والمفكر المغربي حسن أوريد في كتابه "فخ الهويات". وإذا كان الأول ينطلق من سؤال الفرد وعلاقته بهوياته المتعددة، فإن الثاني يركز على الكيفية التي تتحول بها الهوية الجماعية إلى أداة للصراع وصناعة الأعداء. وبين الرؤيتين تتشكل صورة متكاملة تساعد على فهم كثير مما يحدث اليوم، خصوصاً داخل منصات التواصل الاجتماعي.
يحذر اللبناني-الفرنسي أمين معلوف من اختزال الإنسان في هوية واحدة، لأن الإنسان ليس كائناً أحادياً، وإنما هو حصيلة انتماءات متعددة ومتداخلة؛ لغوية وثقافية ودينية ووطنية وإنسانية. وكل محاولة لاختزال هذه التعددية في عنصر واحد تفضي إلى إنتاج ما سماه "الهويات القاتلة"، أي تلك التي تدفع أصحابها إلى الاعتقاد بأن الدفاع عن هويتهم يقتضي إلغاء الآخرين أو معاداتهم.
ومن هنا تصبح الهوية، بدل أن تكون فضاءً للتعارف، مشروعاً للتناحر، وبدل أن تكون مصدراً للكرامة، تتحول إلى مبرر للعنف الرمزي والمادي. فالإنسان، كما يقول معلوف، لا يقتل لأنه ينتمي إلى دين أو لغة معينة، وإنما يقتل حين يُقنع بأن هذا الانتماء هو كل وجوده، وأن كل اختلاف يمثل تهديداً لكيانه.
أما حسن أوريد فيذهب خطوة أبعد، حين يبين أن الجماعات لا تكتفي أحياناً بتعريف نفسها، بل تبحث باستمرار عن خصم تعرف نفسها في مواجهته. فالهويات المغلقة تحتاج دائماً إلى "آخر" تُحمّله أسباب الإخفاقات، وتجعله موضوعاً للاتهام والشيطنة. ومن هنا يبدأ ما يسميه أوريد "فخ الهوية"، حيث تتحول الخصوصية المشروعة إلى مشروع للإقصاء، ويصبح الانتماء معياراً للوطنية، ويُقسَّم المجتمع إلى "نحن" و"هم"، وإلى "أصلاء" و"دخلاء"، وإلى "أوفياء" و"خونة".
ويلتقي المفكران عند حقيقة أساسية مفادها أن الخطر لا يكمن في الهوية ذاتها، وإنما في تحويلها إلى أيديولوجيا مغلقة تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وترفض الاعتراف بتعدد التاريخ وتعقيد المجتمعات.
ولعل هذا ما يجعل تحذير توماس هوبز من "انفراط العقد الاجتماعي" أكثر راهنية اليوم. فحين تصبح الانتماءات الجزئية بديلاً عن المواطنة، وتتحول الولاءات الثقافية أو العرقية أو الدينية إلى مرجعيات سياسية متصارعة، يبدأ المجتمع في فقدان قدرته على إنتاج المشترك الوطني، وتصبح الدولة نفسها معرضة للتفكك من الداخل.
غير أن ما يميز المرحلة الراهنة هو أن هذا الصراع لم يعد يقتصر على الفضاء السياسي أو الثقافي، بل انتقل بقوة إلى العالم الرقمي، حيث تحولت منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحات مفتوحة لتغذية الاستقطاب الهوياتي. فخوارزميات هذه المنصات تكافئ المحتوى الأكثر إثارة للغضب والانفعال، لأن اقتصاد الانتباه يقوم على تعظيم التفاعل، لا على تعزيز التفاهم. وكلما كان الخطاب أكثر حدة واستفزازاً، ازدادت فرص انتشاره.
في هذا السياق، لم تعد معارك الهوية عفوية دائماً، بل أصبحت، في حالات كثيرة، قابلة للتوجيه والاستثمار من قبل شبكات منظمة أو حملات تأثير أو حسابات مجهولة المصدر، تعمل على تضخيم الخلافات الطبيعية وتحويلها إلى صراعات وجودية. وليس من الضروري أن تكون كل الحسابات منسقة أو مدفوعة، لكن من الواضح أن البيئات الرقمية تتيح بسهولة إعادة تدوير المحتوى الاستفزازي وتضخيمه بصورة تفوق حجمه الحقيقي على أرض الواقع.
ومن يتابع النقاشات الرقمية في المغرب يلاحظ أن عدداً من القضايا يتحول بسرعة إلى معارك هوياتية حادة؛ اللغة العربية في مواجهة الأمازيغية، أو الأمازيغية في مواجهة العربية، الإسلام في مواجهة الحداثة، الوطنية في مواجهة الانتماء العربي، التضامن مع فلسطين في مواجهة الولاء للدولة الوطنية، أو الدفاع عن التطبيع في مواجهة رفضه. وغالباً ما تُقدَّم هذه الثنائيات بوصفها خيارات متناقضة لا تقبل الجمع، مع أن الواقع المغربي والتاريخ المغربي يثبتان عكس ذلك.
فمن حق أي مواطن أن يعتز باللغة العربية باعتبارها لغة رسمية، ولغة القرآن، وأحد المكونات الكبرى للهوية المغربية، كما من حقه أن يعتز باللغة والثقافة الأمازيغيتين باعتبارهما جزءاً أصيلاً من تاريخ المغرب وحاضره. وليس في هذا التعارض الذي يصوره البعض حتمية تاريخية أو ثقافية. كما أنه من المشروع أن يتبنى المواطن مواقف مختلفة من السياسات الإقليمية أو من اتفاقات التطبيع أو من الحرب في غزة، دون أن يكون ذلك، في حد ذاته، دليلاً على ولاء خارجي أو خيانة للهوية الوطنية. وفي المقابل، فإن اتهام كل من يخالف هذا الرأي بأنه معادٍ للوطن أو للهوية المغربية هو أيضاً اختزال يضر بالنقاش العام.
إن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه القضايا إلى أدوات لتجريد المخالف من وطنيته أو من انتمائه، أو عندما تُختزل الهوية المغربية في بعد واحد، عرقي أو لغوي أو ديني أو ثقافي، ويُنظر إلى بقية المكونات باعتبارها عناصر طارئة أو دخيلة. ففكرة "الهوية الخالصة" أو "النقاء العرقي والثقافي" لا تنسجم مع مسار التاريخ المغربي، الذي تشكل عبر قرون من التفاعل بين الأمازيغ والعرب والأفارقة والأندلسيين واليهود وغيرهم، في إطار دولة وحضارة صنعتها روافد متعددة.
لقد عرف المغرب، عبر تاريخه الطويل، اختلافات ثقافية ولغوية وسياسية، لكنه لم يعرف، في عموم مساره التاريخي، حروباً أهلية قائمة على التطهير العرقي أو الصراع الهوياتي بالمفهوم الذي تعرفه بعض مناطق العالم. وكانت الروابط الدينية، والبيعة، والدولة، والمصاهرة، والهجرة الداخلية، والتجارة، والزوايا، واللغة، عوامل أسهمت في بناء مجتمع متداخل يصعب تفكيكه إلى هويات صلبة ومنفصلة.
ولهذا فإن من المشروع التساؤل: لماذا تصاعدت حدة الخطابات الهوياتية في الفضاء الرقمي خلال السنوات الأخيرة؟ ولماذا أصبحت بعض النقاشات تتجه سريعاً نحو التخوين والشيطنة والتحريض؟
لا يمكن رد هذا التحول إلى سبب واحد. فهناك عوامل داخلية تتعلق بالاستقطاب السياسي والثقافي، وهناك أيضاً تأثيرات البيئة الرقمية التي تضخم الاستفزاز، كما أن الصراعات الإقليمية تعيد تشكيل النقاشات المحلية وتمنحها شحنة عاطفية إضافية. ومن ثم، فإن الجزم بوجود جهة واحدة تقف وراء كل خطاب انقسامي يحتاج دائماً إلى أدلة محددة، لكن المؤكد أن أي حملات منظمة تستهدف إذكاء الكراهية بين مكونات المجتمع، أياً كان مصدرها، تجد في هذه البيئة الرقمية أرضاً خصبة للانتشار.
ومن هنا تكتسب أفكار أمين معلوف وحسن أوريد أهمية استثنائية. فالأول يدعونا إلى التحرر من أسر الهوية الواحدة، والثاني يحذرنا من تحويل الاختلاف إلى وقود لصناعة الأعداء. وكلاهما يلتقيان عند فكرة المواطنة باعتبارها الإطار الوحيد القادر على استيعاب التعدد، دون إلغاء الخصوصيات.
فالمواطنة لا تطلب من الناس التخلي عن لغاتهم أو ثقافاتهم أو معتقداتهم، بل تجعلها جميعاً مكونات مشروعة داخل فضاء قانوني واحد، تكون فيه المساواة أساس الحقوق والواجبات، ويكون الانتماء إلى الدولة فوق كل الانتماءات الجزئية، دون أن يلغيها.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس اختلاف مكوناته، وإنما اقتناع كل مكون بأنه يحتكر الحقيقة، أو التاريخ، أو الوطنية، أو الشرعية الثقافية. فحين تتحول الهوية إلى عقيدة مغلقة، يصبح الحوار مستحيلاً، ويغدو المجتمع أسيراً لمنطق الاصطفاف الدائم.
إن المغرب، بما راكمه عبر تاريخه من تعايش وتفاعل بين روافده المختلفة، يمتلك مناعة حضارية مهمة. والحفاظ على هذه المناعة يقتضي تعزيز ثقافة النقد والحوار، ومواجهة خطابات الكراهية والتحريض، والتمييز بين النقاش المشروع حول السياسات والاختيارات، وبين الخطابات التي تستهدف تجريد المواطنين من انتمائهم ،أو زرع الشك والعداء بين مكونات المجتمع.
فالهوية المغربية ليست هوية ضد أحد، ولا تقوم على نفي أي من روافدها، وإنما تستمد قوتها من قدرتها التاريخية على استيعاب التعدد وصهره في مشروع وطني جامع. ولهذا فإن الدفاع عنها لا يكون بإحياء أوهام النقاء أو بإنتاج خصومات داخلية، بل بترسيخ دولة المواطنة، وصيانة المجال العمومي من الكراهية، وبناء وعي رقمي قادر على التمييز بين الاختلاف الطبيعي وبين محاولات توظيفه لإضعاف المجتمع.
فالهوية التي لا تتسع للتعدد تتحول إلى قيد، والمواطنة التي لا تحمي الاختلاف تفقد معناها، والمنصات التي تُترك نهباً للتحريض تصبح أدوات لتآكل الثقة بين المواطنين. أما المستقبل، فلا يصنعه من يبحث عن عدو دائم، وإنما يصنعه من يؤمن بأن قوة الأوطان لا تنبع من تجانسها المطلق، بل من قدرتها على تحويل التنوع إلى ثروة، والاختلاف إلى حوار، والانتماءات المتعددة إلى هوية وطنية جامعة، واثقة بنفسها، ومنفتحة على محيطها الإنساني.






