مجتمع وحوداث

محمد زمان: لم يرن الهاتف مرة واحدة

عبد الحميد الجماهيري (كاتب صحفي)

ذات يوم، زرت أحد الزملاء في مكتبه، تضامنًا معه بعد أن تم إعفاؤه من مهامه، في قرار اعتبرناه ظالمًا. جلسنا نتبادل أطراف الحديث في مواضيع شتى، واستعدت للمغادرة بعد نحو نصف ساعة.

وقبل أن أخرج، ابتسم ابتسامة ممزوجة بالمرارة وسألني: "ألم تلاحظ شيئًا؟"

أجبته بعفوية: "لا." فمن طبعي ألا أفتش في تفاصيل الناس أو أبحث عن ملاحظات تتعلق بهم.

أشار إلى هاتفه وقال: "منذ جلسنا معا، لم يرن الهاتف مرة واحدة... ألا تقارن هذا بما كان يحدث في السابق؟"

ساد صمت ثقيل. فهمت الرسالة دون حاجة إلى مزيد من الكلام.

حين تكون في موقع المسؤولية، لا يتوقف الهاتف عن الرنين، والرسائل تتدفق، وكلمات المجاملة لا تنقطع. وما إن يغيب المنصب، حتى يختفي معظم ذلك الزخم، لأن كثيرًا من العلاقات كانت مرتبطة بالحاجة والمصلحة أكثر من ارتباطها بالإنسان.

المؤلم ليس فقط أن تتوقف الاتصالات، بل أن تختفي حتى الكلمات البسيطة التي لا تكلف شيئًا... مثل: "جمعة مباركة" أو "كيف حالك؟"

هذا درس يستحق أن يتأمله كثيرون، خصوصًا في الوسط الإعلامي. فكثيرًا ما نسمع: هذا اللاعب صديقي، ذلك المدرب صديقي، وهذا المسؤول من المقربين إلي... لكن الزمن كفيل بأن يكشف حقيقة العلاقات. فالأشخاص يرحلون، والمناصب تتغير، ولا يبقى إلى جانبك إلا من أحبك لذاتك، لا لما تمثله من منصب أو نفوذ.

فالصداقة الحقيقية لا يقيسها رنين هاتف، بل يقيسها حضور القلوب عندما يخفت كل شيء.