مجتمع وحوداث

الباكالوريا… مبروك مع وقف التنفيذ

عبد الرفيع حمضي

ما إن تعلن نتائج الباكالوريا حتى تدخل آلاف الأسر المغربية مرحلة جديدة من القلق. لم يعد السؤال: هل نجح الابن؟ بل أصبح: إلى أين سيذهب؟ وهكذا لا تكاد فرحة النجاح تكتمل حتى تبدأ معركة أخرى، أشد تعقيدا من الامتحان نفسه، عنوانها اختيار المسار الجامعي والمهني.

جامعات ذات استقطاب مفتوح، ومدارس ومعاهد عليا ذات استقطاب محدود، ومؤسسات خاصة برسوم مرتفعة، وتكوين مهني، ثم خيارات الدراسة خارج المغرب. تبدو الإمكانيات كثيرة، لكن الحيرة أكبر، خصوصا لدى الأسر محدودة الدخل، وسكان المدن الصغيرة، والعالم القروي، حيث تغيب المواكبة، ويجد كثير من التلاميذ أنفسهم أمام قرار سيحدد مستقبلهم، دون أن يمتلكوا الأدوات اللازمة لاتخاذه.

وهنا تظهر إحدى أكبر مفارقات منظومتنا التعليمية. فنحن نعد التلميذ، طوال اثنتي عشرة سنة، لاجتياز امتحان الباكالوريا، لكننا لا نعده بالقدر نفسه لاختيار ما بعد الباكالوريا. وكأن وظيفة المدرسة تنتهي عند إعلان النتائج، بينما يبدأ، في الواقع، الامتحان الأصعب.

وليس المشكل اليوم في غياب المعلومة. فالمعلومة أصبحت متاحة للجميع عبر المواقع الإلكترونية والمنصات الرقمية. لكن المعلومة وحدها لا تصنع القرار. فالتلميذ لا يحتاج فقط إلى معرفة شروط الولوج إلى هذه المدرسة أو تلك، بل يحتاج إلى من يساعده على فهم ذاته، واكتشاف قدراته، وربطها بالمسارات الدراسية والمهنية الممكنة. فبين وفرة المعلومة وصواب الاختيار، توجد حلقة مفقودة اسمها التوجيه.

أما عندنا، فما يزال التوجيه، في كثير من الأحيان، اجتهادا اجتماعيا أكثر منه ممارسة تربوية. فاختيارات التلميذ لا تبنى دائما على معرفة دقيقة بقدراته وميوله، وإنما على ما فعله ابن العائلة، وما اختاره الجار، وما نجح فيه ابن الخال، وما قاله الأستاذ، وما نصحت به الأسرة، وما يتداوله الأصدقاء، وما يروج في وسائل التواصل الاجتماعي. وكثيرا ما تتحول بعض الشعب إلى “موضة” يتهافت عليها الجميع، لا لأنها تناسب الجميع، بل لأن أحدا سبق إليها، أو لأنها توصف بأنها تضمن الوظيفة أو الدخل المرتفع. وهكذا يصبح القرار الذي قد يرسم مستقبل شاب لسنوات طويلة مجرد تقليد اجتماعي، أكثر منه اختيارا مبنيا على معرفة بالنفس وإدراك للإمكانات والقدرات.

ومن هنا، فإن الحديث عن إصلاح التعليم لا ينبغي أن يتوقف عند المناهج أو البنيات التحتية أو الرقمنة. فالتوجيه ليس نشاطا ثانويا، بل هو استثمار في الإنسان، لأنه يجنب آلاف الشباب أخطاء الاختيار، ويحد من الهدر الجامعي، ومن إعادة التوجيه، ومن الإحباط الذي يصيب طالبا اكتشف، بعد سنة أو سنتين، أنه يحقق حلم غيره، لا حلمه هو.

لكن سيكون من السهل أن نحمل القطاع وحده مسؤولية هذا الخصاص، وإن كانت مسؤوليته أساسية ولا يمكن إعفاؤها منها. فبعد عقود لم يحظ فيها التوجيه بالمكانة التي يستحقها، أصبح تدارك هذا التأخر مسؤولية مجتمعية أيضا. ويمكن للمجتمع المدني أن يجعل من مواكبة التلاميذ أحد مجالات اشتغاله، كما ينبغي لجمعيات أمهات وآباء وأولياء التلاميذ أن تجعل من التوجيه أولوية، في الابتدائي والإعدادي والثانوي، لا أن يقتصر اهتمامها على الدعم المدرسي أو البنيات والتجهيزات. فبناء المشروع الشخصي للتلميذ يبدأ مبكرا، ولا ينتظر الأسابيع القليلة التي تفصل بين إعلان النتائج وإغلاق أبواب التسجيل

لقد نجح آلاف التلاميذ في الباكالوريا، لكن نجاح المنظومة لا يقاس فقط بعدد الناجحين، بل أيضا بعدد الذين وجدوا المسار الذي يناسبهم، ومن ساعدهم على اختياره.

وبين ما يقال وما لا يقال… تبقى الباكالوريا مبروك مع وقف التنفيذ، إلى أن يجد كل ناجح البوصلة التي تحول الشهادة من لحظة فرح إلى بداية طريق.