عندما يصبح المهاجر شماعة للأزمات
لم تكن وفاة الشاب المغربي عبد الرحيم بمدينة بولونيا الإيطالية مجرد حادثة أمنية عابرة، بل تحولت إلى مرآة تعكس أزمة أعمق تعيشها المجتمعات الأوروبية في علاقتها بالهجرة والتنوع الثقافي. فقد أظهرت مقاطع الفيديو المتداولة شاباً مثبتاً على الأرض، مقيد اليدين والرجلين، يصرخ طالباً النجدة قبل أن يفارق الحياة، بينما أعلنت الشرطة أن كاميراتها المحمولة تتضمن معطيات أخرى وضعتها رهن إشارة النيابة العامة التي باشرت تحقيقاً مستقلاً. ولذلك فإن تحديد المسؤوليات الجنائية يظل من اختصاص القضاء وحده.
غير أن القضية تتجاوز تفاصيل التحقيق، لأنها تعيد طرح سؤال أصبح يتكرر بصورة مقلقة: لماذا تتكرر وفيات أشخاص من أصول مهاجرة أثناء تدخلات أمنية في عدد من الدول الغربية؟ فمن الولايات المتحدة مع جورج فلويد، إلى فرنسا في قضيتي أداما تراوري ونايل المرزوقي، مروراً بحوادث عرفتها ألمانيا وإسبانيا والمملكة المتحدة، تتشابه الصور وإن اختلفت الوقائع. ولا يعني ذلك وجود سياسة ممنهجة تستهدف المهاجرين، لكنه يفرض التساؤل عما إذا كان المناخ العام الذي تعيشه أوروبا أصبح يؤثر في نظرة بعض المؤسسات إلى المهاجر.
لقد شهدت القارة الأوروبية خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية عميقة مع صعود الأحزاب الشعبوية واليمينية، غير أن المشكلة لا تكمن في اليمين وحده، بل في الخطاب السياسي غير المسؤول الذي يفتقر إلى مشروع مجتمعي قادر على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والديموغرافية. وعندما يعجز هذا الخطاب عن تقديم حلول للبطالة، وأزمة السكن، وغلاء المعيشة، وتراجع الخدمات العمومية، فإنه يبحث عن خصم سهل، فيجعل من المهاجر سبباً لكل المشكلات، وكأن وجوده هو الذي خلق هذه الأزمات.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يحول الإنسان إلى صورة نمطية؛ فالمهاجر لا يُنظر إليه باعتباره طبيباً أو أستاذاً أو عاملاً أو طالباً، وإنما باعتباره تهديداً محتملاً. ومع تكرار هذه الرسائل في الحملات الانتخابية، يصبح الخوف من الآخر جزءاً من الثقافة السياسية، وتتحول الكراهية إلى وسيلة لحشد الأصوات بدل بناء الثقة داخل المجتمع.
ولا تقل مسؤولية بعض وسائل الإعلام عن مسؤولية الخطاب السياسي. فالإعلام لا يكتفي أحياناً بنقل الأخبار، بل يختار طريقة عرضها، والعناوين، والصور، والضيوف، بما يصنع انطباعاً دائماً يربط بين الهجرة والجريمة، وبين الإسلام والعنف، في حين لا تحظى قصص النجاح والاندماج والإسهام الاقتصادي والثقافي للمهاجرين بالمساحة نفسها. وهكذا يتحول الإعلام، بقصد أو بغير قصد، إلى مصنع للخوف، ويصبح الرأي العام أكثر استعداداً لتقبل السياسات الإقصائية أو التغاضي عن التجاوزات التي قد تطال بعض الفئات.
إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ في مراكز الشرطة، بل تبدأ في المدرسة. فالمدرسة هي الفضاء الذي يتعلم فيه الطفل أن الاختلاف ليس خطراً، وأن التنوع الثقافي والديني واللغوي مصدر غنى للمجتمع وليس تهديداً له. كما أن تدريس تاريخ الهجرة، وإسهام المهاجرين في بناء أوروبا الحديثة، وتعليم قيم المواطنة والاحترام المتبادل، كلها عناصر ضرورية لبناء أجيال أقل قابلية للوقوع في فخ العنصرية والأحكام المسبقة.
كما يتحمل الفن والثقافة مسؤولية لا تقل أهمية. فالسينما، والمسرح، والرواية، والموسيقى، والفنون البصرية، ليست مجرد وسائل للترفيه، بل أدوات لبناء الوعي الجماعي. وعندما تقدم هذه الفنون المجتمع الأوروبي باعتباره فضاءً متعدد الثقافات والأديان والأصول، وتبرز إسهامات جميع مكوناته، فإنها تساهم في تفكيك الصور النمطية وتقريب الناس من بعضهم البعض. أما حين تكرر الصورة نفسها التي تجعل المهاجر مصدراً دائماً للمشكلات، فإنها تكرس الانقسام وتغذي الخوف.
لقد أصبحت أوروبا اليوم أكثر تنوعاً من أي وقت مضى، وهذه حقيقة ديموغرافية وثقافية لا يمكن إنكارها أو تجاوزها بخطابات انتخابية عابرة. ولذلك فإن مستقبلها لن يبنى بإقصاء جزء من سكانها، بل بإرساء ثقافة المواطنة المتساوية، واحترام الكرامة الإنسانية، وتكافؤ الفرص، وترسيخ الثقة بين المؤسسات والمجتمع.
إن قضية عبد الرحيم، مهما كانت نتائج التحقيق القضائي، ينبغي أن تدفع إلى مراجعة أعمق من مجرد البحث عن المسؤولية الفردية. فالمطلوب هو مراجعة الخطابات التي تزرع الخوف، والسياسات التي تجعل من المهاجر شماعة تعلق عليها الأزمات، والإعلام الذي يحول الوقائع الفردية إلى أحكام جماعية، وتعزيز دور المدرسة والثقافة والفن في بناء مجتمع يؤمن بأن الاختلاف ليس تهديداً، بل هو أحد مصادر قوته.
فالديمقراطيات لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية الحدود أو فرض النظام، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان، أياً كان أصله أو دينه أو لون بشرته، وبقدرتها على تحويل التنوع إلى مصدر وحدة وإبداع، لا إلى ذريعة للانقسام والخوف.






