هناك مدن تعرف بناطحات السحاب، ومدن تُعرف بموانئها ومصانعها، أما وزان فتُعرف بتاريخها، وروحها، وأصالة أهلها. مدينة ليست كبيرة بمساحتها، لكنها كبيرة بقيمتها الحضارية، وبما تختزنه من إرث ديني وثقافي واقتصادي جعلها عبر التاريخ إحدى أبرز الحواضر المغربية.
ارتبط اسم وزان بالزوايا العريقة، وفي مقدمتها الزاوية الوزانية التي لعبت دورًا محوريًا في نشر العلم والتصوف، وإصلاح المجتمع، واستقبال العلماء والوافدين من مختلف جهات المغرب وخارجه. كما اشتهرت المدينة بصناعاتها التقليدية التي شكلت جزءًا من هويتها، وعلى رأسها الجلابة الوزانية المنسوجة من الصوف الطبيعي، والتي أصبحت رمزًا للجودة والأصالة، إضافة إلى زيت الزيتون الذي عُرفت به المنطقة منذ قرون، حتى صار من أجود المنتجات الفلاحية المغربية.
كان الماضي حافلًا بالعطاء، وكانت وزان مقصدًا للعلم والتجارة والحرف التقليدية، لكن الحاضر يفرض علينا أن نتساءل: هل أنصفنا هذه المدينة؟ وهل أعطيناها المكانة التي تستحقها؟
أكبر ما يؤلم أبناء وزان اليوم هو أنها أصبحت مدينة تُصدر أبناءها أكثر مما تحتضنهم. فبعد الحصول على شهادة البكالوريا، يجد معظم الشباب أنفسهم مضطرين إلى مغادرة المدينة لمتابعة دراستهم الجامعية، لأن وزان لا تتوفر على كلية أو مؤسسة جامعية متعددة التخصصات، رغم الوعود الكثيرة التي رافقت الحديث عن إنشاء نواة جامعية. ومرت السنوات، واختفت تلك الوعود، وبقي الشباب يرحلون حاملين أحلامهم إلى مدن أخرى.
ولا تتوقف المعاناة عند الدراسة، بل تستمر بعد التخرج. فالشاب الذي يعود إلى مدينته يحمل شهادته، لا يجد فرصًا للشغل ولا نسيجًا اقتصاديًا قادرًا على استيعاب كفاءاته، فيضطر إلى الاستقرار في مدينة أخرى، أو يفكر في الهجرة خارج الوطن. وهكذا تخسر وزان في كل سنة خيرة شبابها، وهم أغلى ثروة يمكن أن تمتلكها أي مدينة.
أما على مستوى البنية التحتية، فإن المواطن لم يعد يفهم كيف يمكن لمشروع بسيط أن يستغرق سنوات طويلة لإنجازه. أوراش تُفتح ولا تُغلق، وشوارع تُحفر وتبقى على حالها لأشهر وربما لسنوات، حتى أصبحت الحفر جزءًا من المشهد اليومي. المواطن لا يرفض الإصلاح، بل يطالب فقط بأن يُنجز في آجاله، وبالجودة التي تليق بكرامته.
ورغم ما تزخر به المدينة العتيقة من قيمة تاريخية وسياحية، فإنها لا تزال تنتظر مشاريع ترميم حقيقية تعيد إليها رونقها، وتجعلها وجهة تستقطب السياح والباحثين عن عبق التاريخ. فوزان تمتلك كل المقومات، لكنها تفتقد إلى رؤية تجعل من هذا التراث رافعة للتنمية.
ولا يمكن، في المقابل، تجاهل المبادرات الجميلة التي يقودها عدد من شباب المدينة، الذين ينظمون حملات للنظافة والتشجير وتجميل بعض الفضاءات العامة، إيمانًا منهم بأن وزان تستحق الأفضل. غير أن هذه المبادرات، مهما كانت قيمتها، لا يمكنها أن تعوض دور المؤسسات، فاليد الواحدة لا تصفق، وتنمية المدينة مسؤولية مشتركة.
تبقى بحيرة بودرة، بعد إعادة تهيئتها، المتنفس الرئيسي لسكان المدينة، لكنها وحدها لا تكفي لمدينة بأكملها. ففي أيام العطل والمناسبات تصبح مكتظة بالزوار، في حين تظل المدينة في حاجة إلى حدائق، وملاعب، ومراكز ثقافية، وفضاءات ترفيهية تليق بالأطفال والشباب والأسر.
أما القطاع الصحي، فما زال دون مستوى تطلعات الساكنة، التي تضطر في كثير من الأحيان إلى التنقل نحو مدن أخرى من أجل العلاج. كما أن غياب المناطق الصناعية والاستثمارات المنتجة يجعل فرص الشغل محدودة، ويزيد من نزيف الهجرة.
وما يثير القلق أكثر هو مستقبل الصناعات التقليدية التي اشتهرت بها وزان، خاصة صناعة الصوف والجلابة الوزانية. فمع غياب الدعم والتكوين وتشجيع الأجيال الجديدة، أصبح هذا الموروث مهددًا بالاندثار، وقد يأتي يوم لا نجد فيه من يمارس هذه الحرف التي شكلت جزءًا من هوية المدينة لعقود طويلة.
كما يحق لأطفال وزان أن يحلموا بفضاءات آمنة للعب والترفيه، ويحق لشبابها أن يجدوا أماكن يمارسون فيها الرياضة والثقافة والإبداع، بدل أن يبقى الفراغ سيد الموقف.
ولا بد أيضًا من وقفة صادقة مع المجتمع المدني، الذي يُفترض أن يكون شريكًا في التنمية. فهناك جمعيات تقدم أعمالًا تستحق التقدير، لكن المواطن ينتظر من الجميع أن يجعلوا مصلحة المدينة فوق أي اعتبارات شخصية أو انتخابية، لأن وزان اليوم تحتاج إلى عمل ميداني أكثر من حاجتها إلى الشعارات.
ومع كل استحقاق انتخابي، تتكرر الوعود، وتتجدد الخطابات، لكن الواقع لا يتغير بالسرعة التي ينتظرها المواطن. لقد آن الأوان للانتقال من مرحلة الوعود إلى مرحلة الإنجاز، ومن سياسة تدبير الأزمات إلى سياسة صناعة المستقبل.
إن وزان لا تحتاج إلى خطابات جديدة، بل إلى إرادة حقيقية، وإلى مسؤولين يعتبرون خدمة المدينة شرفًا ومسؤولية، لا مجرد منصب. كما أنها تحتاج إلى فتح المجال أمام الشباب الكفء، النزيه، والغيور على مدينته، لأن مستقبل وزان لن يصنعه إلا أبناؤها الذين يؤمنون بها ويعرفون احتياجاتها.
وزان ليست مدينة فقيرة، بل مدينة غنية بتاريخها، وأرضها، وإنسانها، وتراثها. وما ينقصها ليس الإمكانيات وحدها، بل الإرادة، والتخطيط، والوفاء بالوعود.
سيظل حب وزان يسكن قلوب أبنائها، لكن هذا الحب لا يكتمل إلا بالعمل من أجلها، والدفاع عن حقها في التنمية، حتى تستعيد مكانتها التي تستحقها بين مدن المغرب، وحتى تصبح مدينة يعود إليها أبناؤها، لا مدينة يضطرون إلى مغادرتها.






