ويكتسب هذا النقاش راهنيته في المغرب في سياق سياسي يتسم بالاستعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة، وبحث الأحزاب عن تجديد صورتها واستقطاب كفاءات ووجوه قادرة على استعادة ثقة الناخبين، في وقت لم يعد فيه الرصيد الحزبي التقليدي وحده كافيا لضمان الجاذبية السياسية.
وفي هذا السياق، يصبح استقدام الكفاءات من خارج المجال الحزبي جزءا من سؤال أوسع يتعلق بتجديد النخب، وتجديد الخطاب، وإعادة بناء الثقة بين السياسة والمجتمع.
لكن هذا المسار يظل رهينا بما إذا كان سيقود إلى إدخال هذه الخبرات الجديدة إلى اضافة نوعية للعمل السياسي، أم فقط إلى استثمار رمزي وتسويقي عبر صورة الكفاءة.
لا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من قيمة الكفاءات التقنية أو إنكار نجاحها، بل بالتذكير بأن الكفاءة في مجال معين لا تنتج تلقائيا شرعية في مجال آخر. فالنجاح في الإدارة أو الاقتصاد أو الرياضة أو المال أو غيرها لا يعني بالضرورة امتلاك رؤية سياسية متكاملة؛ لأن السياسة ليست مجرد تدبير تقني، وإنما هي اختيار بين مصالح متعارضة، وصياغة للأولويات، وبناء للتحالفات، وتمثيل للمصالح، وتحمل للمسؤولية والمساءلة. لذلك لا يكمن السؤال الحقيقي في مدى كفاءة الشخص، بل في كيفية انتقال هذه الكفاءة من مجالها الأصلي إلى رصيد من الشرعية السياسية.
وهنا تصبح مقاربة ماكس فيبر مفيدة في التحليل. فقد ميز بين ثلاثة أنماط مثالية للشرعية: التقليدية، والقانونية-العقلانية، والكاريزمية. اذ تقوم الشرعية الكاريزمية على الاعتقاد في صفات استثنائية تُنسب إلى شخص ما، وعلى الثقة التي يولدها هذا الاعتقاد. ولا يعني ذلك أن الكفاءات التقنية تمثل بالضرورة شرعية كاريزمية بالمعنى الفيبري الدقيق، وإنما أن نجاح الشخص وتراكم الاعتراف به يمكن أن يتحول إلى مصدر للثقة والاعتراف خارج المجال الذي نشأ فيه. وهكذا ينتقل الرصيد المهني إلى رصيد رمزي، ثم يحاول هذا الرصيد أن يجد لنفسه مكانا داخل الحقل السياسي.
ويكتمل هذا التحليل مع موراي إيدلمان، الذي يبين أن السياسة لا تنتج القرارات والمصالح فقط، بل تنتج أيضا الصور والرموز والتوقعات. وهنا قد لا يحتاج الحزب، في بعض الحالات، إلى إقناع الجمهور بتفاصيل مشروعه بقدر حاجته إلى تقديم شخصية تحمل معها صورة النجاح والكفاءة. فيصبح الاسم رسالة، والحضور وعدا، والنجاح السابق توقعا بنجاح سياسي مقبل.
لكن وجب الحذر هنا لأن التوقع لا يمكن اعتباره أداء ، والصورة ليست برنامجا، والاعتراف المهني ليس تفويضا سياسيا.
من هنا، فإن استعارة الأحزاب للكفاءات التقنية يمكن أن تكون مدخلا حقيقيا إلى تجديد النخب السياسية إذا تحولت الخبرة إلى رؤية وبرامج ومواقف ومسؤولية ومساءلة. لكنها قد تتحول، في المقابل، إلى مجرد تجديد لأدوات التسويق السياسي إذا بقي الرصيد المهني هو مصدر الجاذبية الأساسي. فالمشكلة في اعتقادنا لا تكمن في دخول الكفاءات التقنية إلى السياسة، وإنما تكمن في تحويلها إلى بديل عن السياسة نفسها؛ أي عندما تصبح الكفاءة صورة تغطي غياب المشروع، ويصبح النجاح السابق مصدرا لشرعية لم يتم اختبارها بعد داخل المجال السياسي.
وهناك مفارقة أخرى لا تقل أهمية، فالشرعية السياسية المستعارة قد لا تختبر الرصيد المهني فحسب، بل قد تعيد تشكيل صورته أيضا. فالشخص الذي بنى مكانته عبر سنوات من النجاح في مجال محدد يدخل السياسة حاملا معه رأسمالا رمزيا راكمه خارجها، لكنه يضع هذا الرصيد في الوقت نفسه أمام اختبار بمعايير مختلفة. فإذا نجح سياسيا، أمكن لنجاحه المهني أن يتحول إلى مصدر إضافي لشرعيته؛ أما إذا أخفق، فقد لا يبقى الفشل محصورا في تجربته السياسية، بل قد يمتد إلى الصورة التي بناها في مجاله الأصلي.
إن السياسة قد تمنح الكفاءة رصيدا رمزيا إضافيا، لكنها قد تستهلك أيضا الرصيد الذي جاءت به إليها. ولذلك فإن ارتداء «القبعة السياسية» ليس مجرد إضافة مجال جديد إلى المسار المهني، بل إعادة تعريف للصورة العامة للشخص، بما يجعل الانتقال إلى السياسة استثمارا في الرصيد السابق، لكنه في الوقت نفسه مجازفة به.
وهنا تحديدا يكمن الفرق بين تجديد النخب وصناعة الأوثان. في الحالة الأولى تتحول الكفاءة إلى قدرة على إنتاج الأفكار والبرامج وتحمل المسؤولية؛ وفي الثانية تتحول الكفاءة إلى صورة، والصورة إلى رأسمال انتخابي، والرأسمال الرمزي إلى شرعية مستعارة. ووفق ذلك فان الوثن السياسي لا يصنع نفسه؛ بل يتشكل عندما تتقاطع حاجة الأحزاب إلى تجديد صورتها مع رغبة الجمهور في العثور على بديل عن السياسي التقليدي ومع قدرة المجال الإعلامي على اختزال التعقيد في شخصية واحدة. وعندما يصبح الشخص أكبر من مشروعه، وتصبح شهرته أقوى من مواقفه، ويتحول الرمز تدريجيا إلى وثن.
لذلك فإن الأولوية في المجال الديمقراطي في بلادنا لا تحتاج إلى منقذين، بل إلى مؤسسات راسخة، وأحزاب قادرة على إنتاج الأفكار، ونخب سياسية تخضع للمساءلة، ومواطنين قادرين على التمييز بين الإعجاب والتفويض.
إن المشكلة ليست في أن تدخل الكفاءات التقنية السياسة، وإنما في أن تدخل السياسة إليها محمولة على نجاحها السابق. وحين يصبح الماضي بديلا عن المشروع، والشهرة بديلا عن الشرعية، والصورة بديلا عن البرنامج، لا نكون أمام تجديد للنخب السياسية، بل أمام تجديد لآليات صناعة الثقة. وفي هذه الحالة لا يكون الحزب قد أنتج فاعلا سياسيا جديدا، بل يكون قد استعار شرعية جاهزة. فالصورة قد تفتح الباب، لكنها لا تستطيع، وحدها، أن تحكم ما وراءه.






