لعل أكثر ما يستحق التوقف عنده في أزمة سبتة الأخيرة ليس فقط حجم الموجة البشرية التي اندفعت نحو المدينة، ولا الصور الصادمة التي تناقلتها الشاشات، وإنما ما بدأ يتكشف من معطيات تعيد ترتيب الأسئلة حول ما جرى. فقد خلص تقرير منسوب إلى المخابرات الإسبانية إلى أن المغرب لم يخطط لموجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة نهاية يوليوز الماضي.
هذه الخلاصة تضعف بوضوح الرواية التي سارعت إلى اختزال ما حدث في كونه عملية مغربية مخططا لها سلفا، وتنقل النقاش إلى منطقة أكثر تعقيدا، كيف تحولت واقعة اجتماعية إلى موجة جماعية بهذا الحجم؟، ومن أين جاءت التعبئة؟، وكيف أمكن لمعلومة أو شائعة متداولة في الفضاء الرقمي أن تتحول إلى سلوك جماعي عابر للحدود؟.
وهنا تبدأ قصة أخرى لسبتة، قصة لا تدور كلها عند الأسلاك والحواجز، وإنما داخل الهواتف والشاشات والعقول.
فالحديث عن عدم وجود تخطيط مغربي مباشر لا يعني بالضرورة أن كل ما جرى كان عفويا بالمعنى البسيط للكلمة. ذلك أن الأحداث الكبرى قد تنشأ من تفاعل عدة عوامل في وقت واحد، هشاشة اجتماعية، رغبة في الهجرة، شائعات رقمية، أخبار مبتورة، خوارزميات تدفع المحتوى الأكثر إثارة، وربما أطراف ترى في تضخيم حدث معين فرصة لتحقيق أهداف سياسية أو إعلامية. وفي مثل هذه الحالات يصبح من الصعب الفصل بين ما بدأ عفويا وما جرى استثماره لاحقا، وبين من صنع الحدث ومن استفاد منه. ومازال الحشد والتوجيه الرقمي مستمر لمزيد من الهجرة والنزوح.
وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم الحرب الهجينة حاضرا في قراءة ما جرى، ولكن بحذر شديد، لأن استعمال هذا المفهوم لا ينبغي أن يتحول إلى اتهام جاهز لأي طرف من دون ظهور أدلة. فالحرب الهجينة لا تعني بالضرورة أن هناك جهة واحدة تجلس خلف شاشة وتدير كل شيء، وإنما قد تعني استغلال نقاط الضعف القائمة أصلا، وتضخيمها، وتحويلها إلى أزمة سياسية وأمنية وإعلامية تتجاوز حجمها الأول.
لقد تغيرت طبيعة الصراع في عالمنا. لم تعد الحدود وحدها هي المكان الذي تتواجه فيه الإرادات والعساكر، ولم يعد السلاح هو الأداة الوحيدة لإرباك الخصم. أصبحت المعلومة نفسها أداة قوة، وأصبحت الصورة قادرة على صناعة الحدث بقدر ما هي قادرة على نقله.
وهنا تكمن خطورة ما كشفه أيضا التقرير الإسباني المذكور بشأن نشاط الحسابات والمجموعات الرقمية التي لم تقتصر، بحسب المعطيات المتداولة، على بلد واحد، وإنما امتدت إلى الجزائر وتونس وفرنسا والمغرب والولايات المتحدة الأمريكية، كما أن المحتويات المشجعة على الهجرة لقت تفاعل ملايين الأشخاص. فهذه النقطة تحديدا تستحق التأمل، لأنها تجعل المسألة أكبر من مجرد علاقة ثنائية بين الرباط ومدريد. إنها تفتح الباب أمام فضاء معلوماتي عابر للحدود، لا تعرف فيه الرسالة السياسية حدودا جغرافية، ولا يمكن بسهولة تحديد مصدرها الحقيقي أو الجهة التي تقف وراء انتشارها، تماما كما حدث في تجربة جيل ز، التي خرجت بدورها من مختبرات وسائل التواصل الإجتماعي. وانتهت بالشغب والتخريب والمحاكمات والسجن.
ولعل الأخطر في الحرب المعلوماتية أنها لا تحتاج دائما إلى اختراع كذبة كاملة. يكفي أحيانا أن تؤخذ حقيقة جزئية، وأن تقتطع من سياقها، ثم يعاد تقديمها بصورة تجعلها تبدو حقيقة مختلفة. وقد تتحول تجربة فردية إلى قاعدة عامة، ومعلومة قانونية محدودة إلى وعد بالقبول، وفيديو قديم إلى دليل على واقع جديد، ثم تنتقل الرسالة من شاشة إلى أخرى حتى تفقد مصدرها الأول وتكتسب، بفعل التكرار، قوة الحقيقة.
لقد أصبحت للهجرة عموما والهجرة غير النظامية تحديدا ثقافة رقمية خاصة بها. فهي لا تنتقل فقط عبر الأخبار، وإنما عبر الأغاني والحكايات ومقاطع الفيديو وتجارب من سبقوا إلى أوروبا، وسرديات مثيرة ومحفزة وأصبح الفضاء الرقمي بالنسبة إلى كثير من الشباب نافذة على عالم يبدو أقرب مما هو عليه في الواقع.
إن ما حدث في سبتة ينبغي ألا يقرأ فقط باعتباره أزمة حدود، بل باعتباره أيضا أزمة معلومات. وإذا كانت الدولة قادرة على تشديد المراقبة الأمنية، فإنها تصبح أكثر حاجة إلى امتلاك سرعة مماثلة في التواصل، لأن الفراغ المعلوماتي لا يبقى فارغا طويلا؛ سرعان ما تملؤه الشائعة والتأويل والمبالغة.
وإذا كان التقرير الإسباني قد نفى التخطيط المغربي المباشر، فإن ذلك لا يلغي الإشارة لما اعتبره تساهل المغرب مع الحشود، لكنه يفرض أيضا قراءة أكثر توازنا. فالدولة المغربية كانت، بحسب المعطيات المتداولة، أمام موجة بشرية هائلة تحركت بسرعة، في ظرف حساس، وكان عليها أن تتعامل معها أمنيا وإنسانيا في آن واحد. كما أن إشادة وزير الخارجية الإسباني بالتعاون المغربي ليست تفصيلا ثانويا، لأنها تؤكد أن العلاقة بين الرباط ومدريد، رغم خلافاتهما التاريخية والسياسية، تظل قائمة أيضا على مصالح أمنية مشتركة، وعلى الحاجة إلى التنسيق في ملفات الهجرة ومحاربة شبكات الاتجار بالبشر والمخدرات وحماية الحدود.
أما توقيت الأحداث، الذي تزامن مع أجواء عيد العرش، فيظل من المعطيات التي تستحق التأمل السياسي والإعلامي، من دون أن يتحول إلى دليل على وجود مؤامرة. فالتزامن وحده لا يثبت التخطيط. لكنه يفسر لماذا كان وقع المشهد أشد على الوعي المغربي، ولماذا أصبح الحدث قابلا للاستثمار الرمزي والإعلامي، خصوصا عندما انتشرت صوره على نطاق واسع في لحظة وطنية ذات حمولة عاطفية قوية.
لقد جاء المشهد، بالنسبة إلى كثير من المغاربة، صادما ومؤلما. فبعد سنوات من استعادة الاعتزاز الوطني، ومن الصور التي جعلت الراية المغربية والقميص الوطني رمزين للفخر في مختلف أنحاء العالم، جاءت مشاهد آلاف الشباب وهم يندفعون نحو سبتة لتطرح أسئلة أعمق من سؤال الهجرة نفسها. أسئلة تتعلق بصورة الشباب عن المستقبل، وبثقتهم في الغد، وبقدرة الدولة والمجتمع على حماية أبنائهما من وهم الطريق السهل إلى أوروبا.
وينبغي هنا ألا نخطئ في تحديد الخطر. فليس كل من شارك في هذه الموجة عميلا لجهة ما أو متنكرا لوطنه، وليس كل مهاجر أداة في لعبة جيوسياسية. الإنسان الذي يبحث عن مستقبل أفضل يظل إنسانا قبل أن يكون رقما في معادلة أمنية. لكن مأساة الإنسان يمكن أن تتحول، في سياق الصراعات الحديثة، إلى مادة للاستثمار من أطراف أخرى. وهذا هو الفارق الذي ينبغي الانتباه إليه، وقد رأينا وسمعنا المواقف الأوربية والإسبانية المتجهمة والمتنمرة والغاضبة من المغرب ومن إسبانيا ومما حدث، خصوصا التي تنهل من شعبوية اليمين وانتهازية اليسار.
لهذا، فسبتة لا يمكن فصلها عن التاريخ المعقد للعلاقات المغربية الإسبانية. فهي بالنسبة إلى المغرب قضية مرتبطة بالسيادة والذاكرة والتاريخ والتراب الوطني، بينما تمثل بالنسبة إلى إسبانيا موقعا استراتيجيا وأمنيا حساسا. وبين الرؤيتين توجد علاقة أكثر تعقيدا من مجرد الخلاف، لأنها تجمع أيضا المصالح الاقتصادية والأمنية والتجارية والهجرة والتعاون في مواجهة الإرهاب والجريمة المنظمة.
ولهذا فإن أي أزمة في سبتة تتجاوز المدينة نفسها. فموقعها عند بوابة المتوسط، بالقرب من مضيق جبل طارق، يمنحها قيمة جيوسياسية إضافية، خصوصا في عالم أصبحت فيه الممرات البحرية والطاقة والأمن البحري عناصر أساسية في الحسابات الدولية. وما يجري في غرب البحر المتوسط لا يمكن عزله عن التحولات الأوسع التي يشهدها العالم، حيث أصبحت مناطق العبور الاستراتيجي كمضيق هرمز بكل مايعنيه من توثر جزءا من صراع النفوذ والمصالح،
وفي هذه البيئة لا يمكن تجاهل البعد الجزائري أيضا، بالنظر إلى طبيعة التنافس المغربي الجزائري، الذي يشبه إلى حد بعيد لعبة «حافة الهاوية " في إدارة الصراع، اللعبة الطويلة الأمد الت تقوم على اختبار الإرادة والصبر والقدرة على تحمل الكلفة، أي الاقتراب من الخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة. لكن من الضروري هنا الفصل بين فرضية وجود قابلية للاستثمار السياسي وبين إثبات وجود تدخل مباشر. فالسؤال عن المستفيد من الأزمة مشروع، أما تحويله إلى اتهام فيحتاج إلى أدلة. وفي الحروب الهجينة تحديدا قد لا تكون الجهة المستفيدة هي الجهة التي صنعت الحدث، وقد لا تكون الجهة التي ضخمته هي التي أشعلت شرارته الأولى.
لذلك فإن الدرس الأهم من سبتة ربما لا يكمن في معرفة من دفع أول شخص نحو الحدود، وإنما في فهم كيف تحولت آلاف الرغبات الفردية إلى حركة جماعية، وكيف استطاع الفضاء الرقمي أن يمنحها السرعة والاتساع؟، وهل تم تبادل المعلومات الأمنية الإستباقية مع المغرب من قبل شركائه الأمنيين، حول هذا الحشد الرقمي الذي تعرض له الشباب.
أسئلة تبين أن الحروب القديمة إن كانت تبدأ عندما تطلق المدافع قذائفها. فإن الحروب الجديدة مثل التي تعلن اليوم في عقول الشباب، تبدأ أحيانا برسالة على هاتف، أو بصورة مجهولة المصدر، أو بفيديو يختصر الحقيقة في ثوان، أو بإشاعة تجد طريقها إلى آلاف العقول قبل أن تتمكن المؤسسات من نفيها.
ففي حروب الماضي كان السؤال: من أطلق النار أولا؟ أما في حروب اليوم، فقد يكون السؤال الأخطر: من نجح أولا في تغيير إدراك الناس لما يحدث؟
وحيث تكمن دلالة سبتة الحقيقية، فالحدود لم تعد ترسم فقط على الخرائط، وإنما أصبحت ترسم أيضا داخل الوعي.






