قضايا

خوصصة السياسة بالمغرب

أيوب الهاشمي
لم تعد العلاقة بين المال والسياسة في المغرب مجرد موضوع يتعلق بتمويل الحملات الانتخابية أو بحضور رجال الأعمال داخل الأحزاب والمؤسسات المنتخبة. نحن أمام تحوّل أعمق يمس طبيعة النخب التي تصنع القرار السياسي، ومصادر شرعيتها، وحدود الفصل بين المجال الاقتصادي والمجال السياسي.


وإذا كان عنوان «خوصصة السياسة» لا يعني، بالمعنى القانوني، أن الدولة أصبحت ملكاً للقطاع الخاص، فإنه يصلح لوصف ظاهرة سياسية واجتماعية تتمثل في تنامي نفوذ أصحاب الثروة والمقاولات الكبرى داخل المجال السياسي، وتحول بعض المصالح الاقتصادية الخاصة إلى قوة قادرة على التأثير في التشريع، والانتخابات، والقرار العمومي، وتحديد أولويات الدولة.


المسألة هنا ليست في أن يكون رجل الأعمال سياسياً. فالمجتمع الديمقراطي لا يمنع أصحاب الشركات والثروات من ممارسة السياسة. الإشكال يبدأ عندما يصبح المال شرطاً شبه ضروري للوصول إلى السياسة، والسياسة أداة لتعزيز النفوذ الاقتصادي، والقرار العمومي مجالاً تتقاطع فيه المصلحة العامة مع المصالح الخاصة دون آليات كافية لمنع تضارب المصالح.


كانت النخب السياسية المغربية، خصوصاً خلال مرحلة الحركة الوطنية والاستقلال وما بعدها، تستمد جزءاً كبيراً من شرعيتها من العمل الوطني، والنضال السياسي، والنقابي، والفكري، وبناء مؤسسات الدولة. لم تكن تلك النخب بالضرورة أكثر كفاءة أو أكثر نزاهة في كل الحالات، لكنها كانت تحمل نوعاً مختلفاً من الرأسمال السياسي: الشرعية الوطنية، والارتباط بالأحزاب، والنقابات، والحركة الطلابية، والصحافة، والمجتمع المدني.


أما اليوم، فقد برز نوع آخر من الرأسمال السياسي: الرأسمال الاقتصادي والتقني والإداري. أصبح رجل الأعمال، والمدير التنفيذي، والمسؤول البنكي، والاستشاري، والمسير الكبير للشركات، يمتلك قابلية أكبر للانتقال إلى مواقع القرار السياسي. وهذا التحول ليس مغربياً فقط، بل هو ظاهرة عالمية مرتبطة بتراجع الأحزاب الجماهيرية وصعود التكنوقراط ورجال الأعمال.


لكن الخصوصية المغربية تكمن في أن هذا التحول يحدث في اقتصاد ما زالت فيه الدولة لاعباً مركزياً، وما تزال فيه قطاعات واسعة مرتبطة بالاستثمار العمومي، والصفقات العمومية، والتراخيص، والامتيازات، والطلب العمومي. وهنا يصبح الانتقال من الاقتصاد إلى السياسة أكثر حساسية.


فحين يكون الشخص صاحب شركة ثم يصبح صاحب قرار سياسي، لا يكفي أن نقول إنه ترك نشاطه التجاري أو ابتعد عن الإدارة المباشرة لشركاته. السؤال الديمقراطي الأهم هو: هل توجد قواعد مؤسساتية كافية تمنع تضارب المصالح وتضمن أن تكون السياسة العامة محايدة تجاه المتنافسين الاقتصاديين؟


الدستور المغربي نفسه يعترف بحساسية المسألة؛ فالفصل 36 ينص على تجريم مخالفات تضارب المصالح واستغلال السلطة والامتيازات والاحتكار والممارسات المخالفة لقواعد المنافسة الحرة والنزيهة. كما أن أعضاء الحكومة ملزمون قانوناً بتعليق بعض الأنشطة المهنية والتجارية أثناء تولي المسؤولية.


الانتخابات هي النقطة التي يظهر فيها تداخل المال والسياسة بصورة مباشرة. فالحملة الانتخابية الحديثة أصبحت مكلفة: وسائل النقل، التجمعات، الإعلانات، التواصل الرقمي، المقرات، الطباعة، اللوجستيك، الاستطلاعات، الخبراء، والموارد البشرية. وهذا يجعل المنافسة السياسية أكثر صعوبة أمام المرشح الذي لا يمتلك موارد مالية أو شبكة من العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.


والدولة المغربية تعترف بأهمية هذه المسألة من خلال تمويل الأحزاب والحملات الانتخابية ومراقبتها. فالمجلس الأعلى للحسابات يتولى تدقيق حسابات الأحزاب والتحقق من نفقات العمليات الانتخابية، كما يراقب مصادر تمويل الحملات والنفقات واحترام السقف القانوني للإنفاق.


وتكشف أرقام المجلس الأعلى للحسابات حول انتخابات مجلس النواب لسنة 2021 أن 28 حزباً من أصل 31 حزباً مشاركاً استفادوا من مساهمة الدولة في تمويل الحملات، وأن هذه المساهمة غطت حوالي 89% من النفقات المصرح بها للحملات. كما أن ثمانية أحزاب فقط صرحت بـ87% من مجموع النفقات الانتخابية المصرح بها.


هذه الأرقام لا تثبت وحدها وجود شراء للأصوات أو فساد انتخابي، لكنها تكشف شيئاً مهماً: الانتخابات أصبحت أيضاً مجالاً اقتصادياً يحتاج إلى موارد مالية وتنظيمية ضخمة. ومن هنا يمكن فهم لماذا تستطيع بعض النخب الاقتصادية دخول السياسة بسهولة أكبر من النخب الاجتماعية أو الشبابية التي لا تمتلك شبكات مالية أو اقتصادية.


وتقدم الحالة المغربية المعاصرة مثالاً واضحاً على هذا التحول من خلال صعود عزيز أخنوش من عالم الأعمال إلى قمة السلطة التنفيذية. عُيّن أخنوش رئيساً للحكومة في 10 سبتمبر 2021، بعد تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار الانتخابات التشريعية وتشكيل الأغلبية الحكومية.


ولا تكمن أهمية الحالة في شخص أخنوش وحده، ولا يجوز اختزال التجربة السياسية لحزب أو حكومة في ثروة رئيسها. لكن الحالة تكشف بوضوح التحول الذي عرفته النخبة السياسية المغربية: رجل أعمال يمتلك خبرة اقتصادية وشبكات واسعة يدخل المجال السياسي ويصل إلى رئاسة الحكومة.


وهذا يطرح سؤالاً مشروعاً في أي ديمقراطية: كيف نضمن الفصل بين السلطة السياسية والمصالح الاقتصادية عندما يكون المسؤول السياسي السابق أو الحالي مرتبطاً بعالم الأعمال؟


القانون المغربي يضع قواعد للتعامل مع تضارب المصالح، لكن النقاش الديمقراطي لا ينبغي أن يتوقف عند سؤال: «هل خالف المسؤول القانون أم لا؟». بل يجب أن يذهب أبعد: هل يشعر السوق بأن الدولة محايدة؟ وهل يشعر المستثمر الصغير أن له الفرصة نفسها التي يملكها الفاعل الاقتصادي الكبير؟ وهل تستطيع المؤسسات التنظيمية اتخاذ قراراتها بمعزل عن قوة العلاقات السياسية والاقتصادية؟


هذه هي الأسئلة الحقيقية.


وتقدم قضية سوق المحروقات مثالاً شديد الأهمية، ليس لإثبات أن السياسة المغربية «مملوكة» من طرف رجال الأعمال، فهذا استنتاج لا تثبته المعطيات، وإنما لإظهار حجم التركّز الاقتصادي وأثره المحتمل على الحياة العامة.


في سنة 2023، أنهى مجلس المنافسة المسطرة المتعلقة بالممارسات المنافية للمنافسة في سوق المحروقات عبر اتفاقات صلح مع تسع شركات ومنظمتها المهنية، بمبلغ إجمالي بلغ 1.840.410.426 درهماً، مع التزامات سلوكية لتحسين شروط المنافسة.


وتشير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إلى أن ثلاث شركات كانت تملك حوالي 60% من السوق، وأن قضية المحروقات شكلت واحدة من أبرز ملفات المنافسة في المغرب، مع فرض مبلغ 1.8 مليار درهم تقريباً في إطار التسوية.


هذه القضية لا تعني أن الاحتكار السياسي والاقتصادي شيء واحد. لكنها تكشف مشكلة بنيوية: كلما كان السوق مركزاً في يد عدد محدود من الفاعلين، أصبح للقرار التنظيمي والسياسي أهمية أكبر في تحديد توزيع الموارد والدخل.


وهنا تصبح المنافسة الاقتصادية قضية سياسية بامتياز.


والمشكلة الأكبر ليست فقط أن شركة كبيرة قد تسيطر على حصة كبيرة من سوق معين، بل عندما يصبح السوق نفسه مصمماً بطريقة تجعل دخول منافسين جدد صعباً. يمكن أن يحدث ذلك عبر تراكم مجموعة من العوامل: صعوبة الولوج إلى التمويل، وصعوبة الحصول على التراخيص والاعتمادات، وقوة الشركات الكبرى في مواجهة المقاولات الصغيرة، والولوج غير المتكافئ إلى المعلومات، والقدرة على تحمل آجال الأداء، وقوة الشبكات والعلاقات، والتحكم في سلاسل التوزيع، والتركيز في الصفقات العمومية، أو حتى وضع شروط تقنية ومالية لا تستطيع المقاولات الصغيرة تحملها.


وقد أشار تقرير حكومي حول المقاولة المغربية إلى أن تحرير إمكانات ريادة الأعمال يتطلب إزالة العوائق أمام المنافسة الحرة وتحسين قدرة المقاولات الصغيرة والمتوسطة على الوصول إلى الأسواق والتمويل.


وفي قطاع البناء والأشغال العمومية، تقدم دراسة رسمية لمكتب الصرف صورة أكثر وضوحاً: فالصفقات العمومية تمثل أكثر من ثلثي رقم معاملات الشركات المنظمة في القطاع الرسمي، وترتفع النسبة في قطاع الطرق والحفر إلى حوالي 91.3%. كما تشير الدراسة إلى أن المقاولات الصغيرة والمتوسطة لا تحصل إلا على جزء محدود من هذه الأعمال.


وهنا نصل إلى جوهر المسألة: حين يصبح جزء كبير من نشاط شركة ما مرتبطاً بالطلب العمومي، يصبح قربها من الدولة أهم من قدرتها على الابتكار في السوق المفتوحة.


من المفترض أن يكون القطاع الخاص الحديث أحد أعمدة الاقتصاد المنتج: الاستثمار، الابتكار، البحث والتطوير، الصناعة، التصدير، التكنولوجيا، خلق العلامات التجارية، رفع الإنتاجية وخلق وظائف ذات قيمة مضافة.


لكن جزءاً من الرأسمالية المغربية نشأ تاريخياً في علاقة وثيقة مع الدولة. وهذا ليس بالضرورة عيباً في حد ذاته؛ فكل الاقتصادات الناجحة استفادت في مراحل مختلفة من تدخل الدولة. المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة بين الدولة ورجال الأعمال من شراكة تنموية إلى اعتماد دائم على الدولة.


أي عندما تصبح الدولة زبوناً، وممولاً، ومنظماً، ومانحاً للتراخيص، وصاحباً للصفقات، وأحياناً شريكاً في الاستثمار.


في هذه الحالة يصبح صاحب المقاولة أمام حافز أقل للبحث عن المنافسة العالمية وأكثر اهتماماً بالوصول إلى دوائر الطلب العمومي.


ولهذا فإن الإصلاح الحقيقي لا ينبغي أن يكون فقط: «كيف نحارب رجال الأعمال؟» بل: كيف نبني رأسمالية مغربية تستطيع أن تنجح حتى عندما لا تحصل على صفقة عمومية واحدة؟


هذا هو الاختبار الحقيقي للقطاع الخاص.


والإصلاح المغربي للصفقات العمومية لسنة 2023 أدخل قواعد مهمة تتعلق بالشفافية وتضارب المصالح والاستقلالية، ونص على ضرورة أن يحافظ كل متدخل في مساطر الصفقات على استقلاليته تجاه المتنافسين، وأن يصرح بأي تضارب للمصالح.


كما أُدخلت آليات لفائدة المقاولات الصغيرة والمتوسطة، وأصبحت الإصلاحات الحديثة تسعى إلى جعل الطلب العمومي أداة لدعم المنافسة وليس فقط أداة لتنفيذ المشاريع.


لكن وجود القانون لا يعني بالضرورة اختفاء المشكلة.


فالخطر ليس فقط في الصفقة غير القانونية. هناك خطر أكثر تعقيداً: الصفقة القانونية التي تنتج سوقاً غير عادلة.


قد تكون كل الإجراءات مستوفية شكلياً، لكن تصميم المنافسة، وحجم الصفقة، وشروط التأهيل، والضمانات المطلوبة، والآجال، والقدرة على التمويل، تجعل عدداً محدوداً جداً من الشركات قادراً عملياً على المشاركة.


وهنا يمكن أن تتحول المنافسة من منافسة بين مئات المقاولات إلى منافسة بين عدد قليل من اللاعبين الكبار.


ومن أخطر أشكال «خوصصة السياسة» أن تنتقل المصالح الاقتصادية من محاولة التأثير في القرار إلى المشاركة في إنتاج القرار نفسه.


ليس المقصود أن كل قانون اقتصادي يخدم مصالح رجال الأعمال، فهذا تبسيط غير صحيح. لكن أي دولة حديثة تحتاج إلى جدار مؤسساتي واضح بين من يملك المصلحة الاقتصادية ومن يصوغ القواعد التي تحكم تلك المصلحة.


وكلما ضعفت الشفافية، يصبح الشك في تضارب المصالح أكثر حضوراً.


ولهذا أوصى النموذج التنموي الجديد نفسه بتقوية قواعد تضارب المصالح، وتوسيع التصريح بالمصالح، وتعزيز استقلالية هيئات التنظيم، وتحسين شفافية الإعفاءات والدعم العمومي والصفقات العمومية. كما حذر من أن التواطؤات والريع والتداخل بين المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تؤدي إلى تآكل الثقة في المؤسسات.


هذه ليست إذن مجرد قراءة معارضة أو حزبية؛ إنها مشكلة سبق أن شخصتها وثائق رسمية للدولة نفسها.


وهناك خطأ آخر يجب تجنبه: اعتبار كل تكنوقراط أو كل رجل أعمال خطراً على السياسة. الدولة تحتاج إلى الخبراء. وتحتاج إلى الاقتصاديين والمهندسين والأطباء والقانونيين ورجال الأعمال وأساتذة الجامعات.


لكن الكفاءة التقنية لا تمنح وحدها الشرعية السياسية.


الخبير يعرف كيف يدير مؤسسة. أما السياسي فعليه أن يجيب عن سؤال آخر: لصالح من تُدار المؤسسة؟


الفرق جوهري.


فالتكنوقراطية تستطيع أن تقول إن المشروع يرفع الكفاءة بنسبة معينة، لكنها لا تستطيع وحدها الإجابة عن السؤال السياسي: من يتحمل تكلفة الإصلاح؟ ومن يستفيد منه؟ وهل توزيع مكاسبه عادل؟


وهنا يكمن الفرق بين دولة يديرها الخبراء تحت رقابة السياسة ودولة تصبح فيها الخبرة التقنية غطاءً لإبعاد السياسة والمجتمع عن القرار.


لكن المشكلة ليست في الأغنياء، بل في غياب المنافسة.


ليس المطلوب بناء خطاب شعبوي ضد رجال الأعمال. بل العكس. المغرب يحتاج إلى رجال أعمال أقوياء، ومقاولات عالمية، ومجموعات صناعية، واستثمارات ضخمة.


لكن الاقتصاد الصحي يحتاج إلى رجل أعمال يستطيع أن يصبح غنياً لأنه أكثر ابتكاراً من منافسه، لا لأنه أقرب إلى مركز القرار.


ويحتاج إلى دولة لا تخاف من الشركات الكبرى، لكنها لا تسمح لها أيضاً بتحويل قوتها الاقتصادية إلى قوة سياسية غير خاضعة للمساءلة.


والدليل على أن المنافسة أصبحت قضية مركزية هو النشاط المتزايد لمجلس المنافسة. ففي سنة 2024 أصدر المجلس 174 قراراً ورأياً، وشكلت عمليات مراقبة التركيز الاقتصادي أكثر من 93% من حجم قراراته، مع فتح 12 مسطرة تلقائية.


هذه الأرقام تعكس اتساع الحاجة إلى تنظيم سوق أصبحت فيه عمليات الاندماج والتركيز الاقتصادي أكثر أهمية.


لكن التحدي الحقيقي هو الانتقال من مكافحة الاحتكار بعد وقوعه إلى بناء اقتصاد يمنع أصلاً تراكم القوة الاقتصادية والسياسية في يد عدد محدود من الفاعلين.


المغرب لا يحتاج إلى العودة إلى رأسمالية الدولة القديمة، ولا إلى تسليم الاقتصاد بالكامل للقطاع الخاص.


ما يحتاجه هو رأسمالية وطنية تنافسية؛ رأسمالية تقوم على الدولة القوية والمؤسسات القوية، لا الدولة الزبون؛ والمقاولة القوية، لا المقاولة الريعية؛ والصفقة العمومية كأداة للتنمية، لا كآلية لإعادة توزيع النفوذ؛ والمنافسة كقاعدة، لا كاستثناء؛ والسياسة باعتبارها مجالاً للصراع حول البرامج، لا مجالاً للصراع حول الوصول إلى الموارد.


والمطلوب كذلك هو خلق مسافة مؤسساتية حقيقية بين القرار السياسي والمصلحة الاقتصادية: تشديد قواعد تضارب المصالح، تقوية التصريح بالمصالح، تعزيز شفافية المستفيدين الحقيقيين من الشركات والصفقات، حماية المنافسة، نشر بيانات الصفقات بشكل أكثر قابلية للتحليل، تقوية استقلالية هيئات التنظيم، وربط الدعم العمومي والاستثمار العمومي بمؤشرات واضحة للنتائج.


وفي النهاية، فإن السؤال الذي يجب أن يطرح اليوم ليس: هل يسيطر رجال الأعمال على السياسة المغربية؟ فهذه صياغة مطلقة لا تثبتها المعطيات.


السؤال الأكثر دقة هو: إلى أي حد أصبح الرأسمال الاقتصادي شرطاً للولوج إلى الرأسمال السياسي؟ وإلى أي حد تستطيع السياسة، بعد ذلك، أن تبقى مستقلة عن المصالح الاقتصادية؟


هنا تحديداً تكمن ظاهرة «خوصصة السياسة».


فهي لا تعني أن رجال الأعمال استولوا على الدولة، وإنما تعني احتمال انتقال السياسة تدريجياً من كونها مجالاً تتنافس فيه المشاريع والأفكار والتنظيمات الاجتماعية، إلى مجال تصبح فيه الثروة والشبكات والقدرة الاقتصادية مصادر متزايدة للنفوذ السياسي.


والخطر الأكبر ليس أن يصبح رجل أعمال وزيراً أو رئيس حكومة.


الخطر هو أن يصبح النجاح الاقتصادي نفسه مرهوناً بالقرب من الدولة، وأن يصبح النجاح السياسي مرهوناً بالقدرة المالية، وأن يصبح القرار العمومي محكوماً بتوازنات بين أصحاب النفوذ بدلاً من أن يكون محكوماً حصراً بالمصلحة العامة.


حينها لا تعود المشكلة في شخص أو حزب أو حكومة.


بل تصبح مشكلة نظام سياسي واقتصادي يحتاج إلى إعادة رسم الحدود بين الدولة والسوق والسياسة.


فالديمقراطية لا تكتمل بمجرد أن تكون صناديق الاقتراع مفتوحة.


الديمقراطية تكتمل عندما يستطيع المواطن الذي لا يملك المال أن ينافس من يملكه، وعندما تستطيع المقاولة الصغيرة أن تنافس المجموعة الكبرى، وعندما يستطيع السياسي أن يواجه رجل الأعمال، وعندما يستطيع رجل الأعمال أن ينجح دون أن يحتاج إلى السياسي.


ذلك هو الاختبار الحقيقي لفكرة دولة القانون: أن تكون الدولة أكبر من المال، وأن يكون السوق أكبر من النفوذ، وأن تكون السياسة أكبر من أصحاب الثروة.