للأسف، هذا ما كان يرجوه أحد الصحافيين الجزائريين، في مقال له بإحدى الصحف الإلكترونية، كَرَدٍّ على توظيف المغرب ملف الهجرة (بحسب زعمه). صاحبنا يحرض الإسبان على قطع الكهرباء عن المغرب، على أمل أن يعم الظلام الجار الغربي. وإن فشلت محاولة النظام الجزائري الأولى، بعد إلغاء أنبوب الغاز الرابط بين الجزائر، مروراً بالمغرب، وصولاً إلى أوروبا، فإن حظوظ النجاح متوفرة بقدر كافٍ إن أقدمت حكومة سانشيز على ذلك (برأيه).
صاحب المقال يبني تحريضه على أساس أن المغرب يفتقد الاكتفاء الذاتي من الكهرباء، وهذا غير صحيح جملةً وتفصيلاً. وإن كان من تعاون في الإمداد، فهو من الجهتين معاً (ذهاباً وإياباً). وفي الفترة الأخيرة، أمدَّ المغربُ إسبانيا وفرنسا بالكهرباء خلال ذروة الضغط العالي على الكهرباء لديهما. الأمر عادي، ولا حاجة للتبجح به، كما فعل ذلك تبون حين شَهَرَ باللبنانيين، حين تبرع عليهم بسفينة من الغاز.
قمنا بقراءة أحداث سبتة الأخيرة في مقال منشور على أساس أكثر من فرضية. ومهما يمكن أن يُقال، كخلاصة عامة، فإن للمغرب الحق في استعمال جميع الأوراق لتحقيق أهدافه الاستراتيجية في المنطقة، بما فيها الهجرة. المغرب ليس دركي إسبانيا! أقول هذا الكلام "مع تخراج العينين"، أي دون الحاجة إلى التذكير بأن الحكومة الإسبانية نفسها قامت بتبرئة المغرب من استعمال الهجرة الأخيرة كَورقة تفاوضية في أكثر من تصريح، وعلى لسان أكثر من مسؤول.
ملف احتلال إسبانيا لسبتة ومليلية مرتبط بملف احتلال بريطانيا لجبل طارق. ومع ذلك، فالدبلوماسية الهادئة ضرورية بين جارين متعقلين، أي المغرب وإسبانيا. المغاربة يسترجعون أراضيهم (كل أراضيهم) بهدوء وعلى مراحل محسوبة، كما فعلوا مع ما يُسمى جغرافياً "الصحراء الغربية". حين انسحبت إسبانيا من الصحراء تحت ضغط المغرب، ملأ المغاربة المكان. لماذا نلجأ إلى الاستفتاء؟ هل سبق أن استُفْتِيَ شعبٌ على أرضه بعد أن انسحب المستعمر منها؟ هل استفتينا، مثلاً، حين خرجت إسبانيا من تطوان أو طنجة؟
المفارقة الصارخة في ملف سبتة ومليلية المحتلتين أن النظام الجزائري لا يعترف بمغربيتهما. أين هي شعارات تقرير المصير؟ وتصفية الاستعمار؟ والأخوة المغاربية الإسلامية؟ وحتى أكون واضحاً، فمهما انتقدنا بلادنا بحكومتها وسياسييها، فلن يذهب ذلك إلى حد التفريط في حدودنا الجغرافية والتاريخية. في المغرب مشاكل اجتماعية كثيرة، وفوارق مجالية كبيرة، وفيه بؤر فساد. نعم، كل ذلك يوجد للأسف! غير أن في المغرب أيضاً تطوراً كبيراً على مستوى تجويد البنيات التحتية، تفوق ما يوجد لدى بعض دول أوروبا أحياناً (البنية الطرقية، الموانئ، السدود، الطاقة النظيفة، إلخ). غير أن ما أريد قوله بالمناسبة هو أن ينتبه المغرب إلى شبيبته في المدرسة والشارع، على أساس وضع برنامج واقعي في التعليم والصحة والعمل. لا ينبغي المبالغة في تجويد البنيات التحتية العالمية وفق المعايير الدولية، وبخاصة مع اقتراب موعد انعقاد كأس العالم ببلادنا.
المغرب لا يعيش حرباً أهلية، ولا يشهد مجاعة متفاقمة. هذا هو الواقع، ومع ذلك فنحن نشهد فوارق اجتماعية حادة، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار. أما بالنسبة إلى ما وقع في سبتة، فمن حق شعوب الجنوب التطلع إلى الشمال، سواء بدافع اجتماعي أم سياسي أم حقوقي أم ثقافي. الحلم بالوصول إلى أوروبا ظل يتحول إلى فوبيا أحياناً، حتى لدى الشباب من فئات غير فقيرة. فما العمل؟ ومع ذلك، فالبحث عن الأسباب الموضوعية للهجرة ضروري. الشباب المغربي قدَّم أكثر من إشارة بهذا الصدد إلى المسؤولين في الدولة والحكومة، وإن لم تُؤخذ المطالب الاجتماعية بالجدية الكافية، فالخشية قائمة من رِجَّة اجتماعية محتملة. لا يمكن القبول بأن يُباع كل شيء، وبخاصة في الصحة والتعليم؛ فالنموذج الاقتصادي الحالي منذر بكوارث قريبة، لا قدر الله.
نخب جزائرية، عسكرية كانت أم مدنية (بعض الأقلام الصحافية)، تشحذ سيوفها لعرقلة تنظيم المغرب كأس العالم، متحالفةً مع بعض الأطراف الإسبانية من اليمين. للأسف، حاولت شخصياً تجنب الدخول في هذه المشاحنة الجزائرية المغربية نظير ما أكتب الآن. ولكن ما أقرؤه وأتابعه لدى بعض هذه النخب الجزائرية فاق الحد في الوصف. لا يوجد إلا المغرب وكوارثه في الإعلام الجزائري: الزلازل، فيضان الأودية، الاحتجاجات الاجتماعية، إلخ.
الله يعفو عليهم!






