فن وإعلام

أين هو وزير الثقافة؟؟

عبد الرحيم التوراني (كاتب صحفي)

قبل أيام قليلة غاب عن دنيانا واحد من كبار شعراء المغرب وأعلامه الأكاديميين، الدكتور محمد السرغيني.. الأستاذ الذي تتلمذت على يديه أجيال وأجيال من الطلبة والباحثين..

ومع ذلك مرت مراسم جنازته وتشييعه في صمت مريب وبحضور هزيل لا يليق بحجم الفجيعة، وسط غياب واضح للمثقفين والأدباء الذين فضل أغلبهم نعيم العطلة وكسل الصيف على وداع هذا الرمز الثقافي الوطني...


لم تكن هذه المهزلة حادث عابر أو استثناء نشاز، بل هي القاعدة النكراء التي تكشف كيف يساق مبدعونا وفنانونا إلى نهاياتهم المنكوبة بتجاهل تام.


 لكن السؤال المر الذي يفرض نفسه هنا يصفع القائمين على هذا القطاع المكلوم، وهو أين هو وزير الثقافة؟؟


ولأن حبل الكذب قصير، فقد تولى صديقنا الشاعر صلاح بوسريف سحق هذا التساؤل بصفعة الحقيقة، حين كتب بلا مواربة على حسابه:


"وزير قطاع الثقافة مشغول بالانتخابات، لا يعنيه موت شاعر، فهو أصلا لا يعرفه، ولم يسمع به قط! ماذا لو كان الراحل شاعرا بمعايير الوزير ومن معه، ممن أفسدوا ما كان فاسدا في وزارة أعان الله من سيتولاها بعدهم؟!".


هذا القول الصريح الفصيح لا تحامل فيه ولا مبالغة.. بل هو تعرية لممارسات وزير أُسقط سهوا أو عمدا على قطاع لا يمت إليه بأدنى صلة. ويكفينا خزيا أن نتذكر قراراته القراقوشية الطائشة بتوقيف مجلات ثقافية عريقة كانت تصدر منذ عقود عن الوزارة، في مقابل سخائه الحاتمي ودعمه السخي للتفاهات واستقبال أشباه الموهوبين ونكرات الفن، دون حاجة لتسمية أصحابها...


إن الشاعر محمد السرغيني رحمه الله لم يكن في حياته بحاجة لهذا الوزير ولا لأمثاله، وهو يقينا ليس بحاجة إليهم وهو يسكن خلوده الأبدي...


لكن الشيء بالشيء يذكر، فقد أعادت هذه الفجيعة إلى ذهني ما حكته لي السيدة سعاد بومهدي، أرملة الكاتب الكبير الراحل إدريس الخوري... فبعد وفاته قصدت وزارة الثقافة أملا في الحفاظ على الشقة التي كان يقطنها الراحل بنبل كهدية من مؤسسة وطنية للتضامن، وحمايتها من الإفراغ...

وهناك استقبلها اثنان من أقرب مساعدي الوزير... وعندما عرفتهما بنفسها وبصفتها، سألاها ببلاهة تثير الغثيان: "ومن هو إدريس الخوري؟"...

أجابتهما بحسرة وصدمة:

 "يكفيكما أن تطرقا باب محرك البحث غوغل لتعرفا من هو إدريس الخوري.. إدريس الخوري الذي تشرف في حياته بوسامين ملكيين"...


أفبعد هذه المهازل يراد منا أن نصمت؟

أي ثقافة هذه التي يديرها من لا يقرأون ولا يعرفون ولا يستحيون؟!


هزلت.. 

بل علينا أن نفتش عن تعبير أكبر وأثقل من الهزال...

 فالهزال مرض يصيب الأجساد فيضعفها، أما ما نعيشه اليوم في مشهدنا الثقافي فهو موت سريري مكتمل الأركان، تدار فيه المؤسسات بعقلية الدكاكين، وتقاس فيه القيمة بعدد الأتباع لا بحجم الإبداع...


إنها مهزلة موصولة يسقط فيها الفكر لصالح الفلكلور، ويهمش فيها الرموز لتفتح الأبواب على مصراعيها للسطحية والابتذال. حين يصبح الجهل بأعلام الوطن شرطا لإدارة شؤونه الثقافية فعلى الثقافة السلام..


لن يموت سرغيني آخر في العراء دون أن نصرخ...

 ولن ينسى خوري جديد دون أن نعري هذا العبث... فالمبدعون يرحلون إلى الخلود، ويبقى صغار الموظفين والوزراء في سلات مهملات التاريخ.