أقول هذا من موقع تجربة شخصية، فقد كانت استقالتي من العمل السياسي نتيجة قناعة تراكمت لدي بأن التجربة السياسية في المغرب لا تزال، في جانب كبير منها، أشبه بـ «لعبة بيضاء»؛ لعبة تبدو في ظاهرها مؤسساتية، تحكمها القوانين والهياكل والانتخابات، لكنها في عمقها لا تزال تفتقد إلى ذلك النفس المؤسساتي والسياسي الحقيقي الذي تصنعه القيادات القادرة على الحوار والاختلاف والمناظرة وتحمل المسؤولية.
وجوابًا عن بعض الإخوة، أقول إن المشكلة ليست دائمًا في الأشخاص الذين يغادرون، بل في طبيعة المجال الذي أصبح يضيّق أكثر فأكثر على الفكرة، ويمنح مساحة أكبر للحسابات والتوجيهات. فحين تغيب القيادات الحقيقية، ويضعف النقاش السياسي، وتتراجع المناظرة، يصبح المجال مفتوحًا أمام اللوبيات والسماسرة لصناعة التوازنات وتحديد الاتجاهات، بينما يتحول المناضل من فاعل سياسي إلى مجرد رقم داخل معادلة انتخابية أو تنظيمية.
وكما تقول الحكمة المغربية: «واخا تبدّل الباب، تبقى الدار هي هي». فحتى لو تغيّرت الوجوه، وأُضيفت أسماء جديدة، أو استُقطبت تيارات مختلفة، فإن الحزب سيظل كما هو ما دامت العقلية نفسها، وقواعد الاشتغال نفسها، وطريقة صناعة القرار نفسها. فالمشكل ليس فقط في من يدخل ومن يخرج، وإنما في قواعد اللعبة ذاتها؛ لأن تغيير اللاعبين لا يعني بالضرورة تغيير اللعبة.
وتبديل الوجوه والشخصيات لم يكن، ولن يكون، في حد ذاته سبيلًا لإنجاح أي حزب. فجوهر الأزمة يبدأ حين تصبح التزكيات، في بعض الحالات، مرتبطة بالاسم وبالقدرة المالية، وبما يمكن تسميته «البوفوار المالي»، بدل أن تكون محكومة بالكفاءة، وبقوة البرنامج، وبقدرة المرشح على الإقناع وخدمة المواطنين. وعندما يصبح المال معيارًا للترشح، تتراجع قيمة المناضل صاحب الفكرة، ويصبح البرنامج الانتخابي مجرد وثيقة ثانوية أمام حسابات النفوذ والتمويل. وهنا لا تعود المسألة مرتبطة فقط بمن يحمل لائحة الحزب، سواء في الانتخابات البرلمانية أو الجماعية، وإنما بالسؤال الأعمق: هل نحن أمام أحزاب تبحث عن أفضل البرامج والطاقات، أم أمام أحزاب تبحث عمن يملك القدرة على تمويل الحملة وشراء المساحة الانتخابية؟
لذلك، لا أرى في الاستقالات الجماعية مجرد «غربلة للشوائب»! أحيانًا تكون الاستقالة نفسها رسالة سياسية واحتجاجًا هادئًا و راق على طريقة تدبير أصبحت عاجزة عن إقناع من عاش التجربة من الداخل. ومن استقال لأنه لم يعد مقتنعًا باللعبة، ولا بالتكتيك، إن كان هناك فعلًا تكتيك، فلا يمكن اختزال نضاله ببساطة في خانة «الشوائب»؛ فقد يكون السؤال الحقيقي هو: ماذا لو كانت المشكلة في قواعد اللعبة نفسها؟






