المقصود هنا مرة أخرى هم المنعوتون بوصف "الكوفيين"، أو بالأحرى، "عُبّاد الكوفية"، ومعهم رهط من "الإسلامجيين"، وجميعهم يستملحون الإغراق في التماهي مع القضية الفلسطينية، إلى درجة جعلتهم أكثر تعصّبا لهذه القضية من أصحابها الأصليين، والمصيبة أن تعصبهم لها أنساهم تماماً واجباتهم إزاء وطنهم، ومن آكَدِ هذه الواجبات أن يرفضوا أي مساس بسيادة الوطن، المغرب، ويدفعوا عنه أي ريح، ولا حتى نسمة، يمكن أن تطعن في ثوابته وقضاياه الحيوية، وفي مقدمة هذه الثوابت والقضايا، مسألة "وحدته الوطنية والترابية".
مناسبة العودة إلى "عُبّاد الكوفية" هؤلاء، حتى لا أنعتهم باصطلاح "خونة الداخل"، والحال أنهم كذلك، هو صمتهم المطبق على ما يأتي من التشوّهات السياسية، والخُلُقية، وحتى الدبلوماسية، من داخل غزة نفسها.
لقد جاءت الأخبار من هناك لتُنبِئَنا عن تأسيس "لجنة" شبه رسمية، لأن السلطات الفلسطينية الرسمية تعامت عن ذلك التأسيس، بل يسّرت ظروف وقوعِه... لجنة حددت لنفسها هدفاً في غاية الغرابة، وهو "دعم جهود الشعب الصحراوي في تقرير مصيره"، وتحقيق استقلاله "عن المحتل المغربي" (!!!).
والحال أن اللغة التي تستعملها تلك الأوساط أقل عنفاً من هذه، ولكن النتيجة هي هي، "المساس بالسيادة المغربية على كافة التراب المغربي، والتشكيك في وحدته الوطنية والترابية، ومنح الانفصاليين/الإرهابيين، من ميليشيا البوليساريو، متنفَّساً سياسياً ودبلوماسياً يعيد إليهم شيئا من الحياة ومن الحركة، بعد أن أصابتهم الدبلوماسيا المغربية بالضيق والاختناق، وبعد أن عزلت أسيادهم ومموليهم ومسلِّحيهم من العساكر والكابرانات المهيمنين والمسيطرين على ما وراء حدودنا الشرقية.
العالم كله يعلم يقيناً أن المغرب استثمر وما زال يستثمر علاقاته المتميزة مع كل من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، نعم إسرائيل، لكسر الحصارات المتتالية على غزة والقطاع، حتى أنه أفلح في اختراق أشد المعابر امتناعاً، في عز الأزمة، ليوصل المساعدات الطبية والعلاجية والغذائية والخيام والأغطية والألبسة، إلى أهالي غزة ونسوتها وأطفالها وشيوخها ومعطوبيها، فضلاً عن المستشفيات المتنقلة، وبعثات الأطباء، والممرضين المؤهلين، دون أن يستطيع أي بلد عربي، أو بلد مسلم آخر، أن يقدّم أعشار ما قدّمه المغرب في هذا الاتجاه...
وبدلاً من أن تصلنا من هناك عبارات الشكر، ومشاعر الامتنان لصَنيعٍ راقٍ يقدمه المغاربة ملكاً ومواطنين بلا أدنى مٍنّة، وما زالوا يفعلون، تصل إلينا تلك الأخبار الكريهة، وهي تحمل مناصرة الفلسطينيين لإرهابيي البوليساريو، والأفظع من ذلك والأنكى، أن من نسمّيهم بكل إصرار "عُبّاد الكوفية"، لم يحرّكوا ساكنا لرد هذا العدوان السافر عن وطنهم، بل استمروا يزيّنون أعناقهم وأكتافهم بالكوفيات، ويكنزون في مواقعهم الإلكترونية أعلام فلسطين، حتى أن أحدا منهم لم يكلف نفسه ولو من باب حفظ ماء الوجه أن يرفع العلم المغربي، الذي أصبحتُ شخصياً أرى الآن أن هؤلاء لا يستحقون حمله، ولا حتى الانتماء إليه، فبالأحرى الذود عنه ومواجهة المتآمرين على رمزيته ودلالاته.
بل الأكثر من ذلك، أنهم يتمادون إلى الآن في تنظيم ندواتهم، وعقد تجمُّعاتهم، وتنفيذ وقفاتهم ومظاهراتهم الاحتجاجية، لا لشيء، سوى لممارسة نُباحهم المعهود، ضد ما يسمونه تطبيعاً مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية، حتى وهم يُدركون بكل حواسهم مقدار الدعم والسند الذي استطاع المغرب دون غيره أن بمدهما للفلسطينيين عامة، ولأهالي غزة خاصة. ولا يوجد من بينهم مغربية أو مغربيٌّ واحدْ يستطيع أن يقدم أعشار ذلك، أو حتى أن يشذّ عن القطيع فيعطي ما لله لله، وما لقيصر لقيصر، كما يفعل كل العقلاء والملتزمين بالقضايا العادلة في مشارق الأرض ومغاربها.
خلاصة القول: إنّ مَن لا يدافع عن وطنه لا يحق له أن يتحدث عن أوطان الآخرين. إن المغرب قدم لفلسطين ما لم تقدمه دول أخرى، وقدم للفلسطينيين ما عجز عنه هؤلاء "الفلسطينون أكثر من الفلسطينيين".
إن هؤلاء "الضايْعين"، إذا كانوا يريدون الكوفية شعارا، فليعلموا أن العلم المغربي فوق كل الشعارات بلا أدنى استثناء. وأعود لأقول لهؤلاء "المهووسين بقضايا غيرهم"... انزعوا الكوفية عن رقابكم ولفّوها حول عقولكم لعلكم تُبصرون. فالوطن الذي تفرّطون اليوم في سيادته، هو نفسه الذي ستحتاجون غدا إلى ظلّه الوارف، عندما يتنكّر لكم أولئك "الأشوريون" الحربائيون فلا تجدون سَنَداَ تتكئون عليه.
إن هناك في السياسة، كما في الأخلاق، أنّ من يطعنك في ظهرك وأنت تطعمه بيدك، لا يستحق منك لا تضامناً، ولا حتى تجاوُزاً أو صمتاً... انتهى الكلام !!!






