مشاهير

دومينيك دو فيلبان… عندما تصبح الأغنية مدخلاً إلى الحملة الرئاسية

حسان البلعاوي

نشرت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية، في 19 غشت 2026، مقالاً يتناول جانباً غير مألوف من الحضور السياسي لرئيس الوزراء الفرنسي الأسبق دومينيك دو فيلبان، الذي بدأ منذ مطلع أغسطس ينشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي مقاطع قصيرة يقدم فيها بعض الأغاني التي يحبها، مستفيداً منها للحديث عن الحرب والاستبداد والمجتمع والإنسان.

اختار دو فيلبان حتى الآن ثلاث أغنيات ذات دلالات واضحة: «Zombie» للموسيقي النيجيري فيلا كوتي، وهي من أشهر الأغاني الأفريقية المناهضة للسلطة العسكرية والقمع؛ و**«The Words That Maketh Murder»** للمغنية البريطانية PJ Harvey، التي تستحضر أهوال الحرب؛ ثم «Bad Religion» للمغني الأميركي فرانك أوشن، التي تتناول الوحدة والألم الإنساني.

ليست هذه الاختيارات بعيدة عن شخصية دو فيلبان ومسيرته. فهو، إلى جانب كونه دبلوماسياً ووزيراً للخارجية ثم رئيساً للوزراء في عهد الرئيس جاك شيراك، كاتب وأديب وشغوف بالشعر والفن والتاريخ، وله العديد من المؤلفات السياسية والتاريخية والأدبية، من بينها كتابه المعروف «Éloge des voleurs de feu» الصادر عام 2003، والذي خصصه للشعر والشعراء.

بالنسبة إلى دو فيلبان، لم يكن الشعر مجرد اهتمام ثقافي موازٍ للسياسة، بل جزءاً من رؤيته للعالم ومن علاقته بالكلمة. وفي هذا السياق تبرز علاقته بالشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش، الذي عرفه والتقاه وقرأ شعره وكتب عنه. وعندما توفي درويش في أغسطس/آب 2008، حضر دو فيلبان جنازته الرسمية في رام الله، في مشهد يعكس علاقة تجاوزت الاهتمام السياسي بالقضية الفلسطينية إلى تقدير شخصي وأدبي لشاعرها الكبير.

ومن الشعر يمكن الانتقال بصورة طبيعية إلى الدبلوماسية، لأن الكلمة كانت أيضاً وراء أشهر لحظة في المسيرة السياسية الدولية لدو فيلبان.

ففي 14 فبراير/شباط 2003، عندما كان وزيراً للخارجية في عهد جاك شيراك، وقف أمام مجلس الأمن الدولي ليعلن موقف فرنسا الرافض للتسرع في شن الحرب على العراق. كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش تدفع باتجاه العمل العسكري، وكان وزير الخارجية كولن باول في مقدمة المدافعين عنه، بينما دافع دو فيلبان عن استمرار عمليات التفتيش وعن إعطاء الدبلوماسية فرصتها، محذراً من النتائج التي يمكن أن تترتب على الحرب.

تحول ذلك الخطاب إلى واحدة من أشهر المداخلات الدبلوماسية الفرنسية المعاصرة، ليس فقط بسبب موقف فرنسا، وإنما أيضاً بسبب قوة اللغة التي استخدمها دو فيلبان. وقد أنهى مداخلته باستحضار تجربة «قارة قديمة» مثل أوروبا عرفت الحروب والاحتلال والبربرية، ولذلك تدرك قيمة الحرية والسلام. وقوبل خطابه، في مشهد نادر داخل مجلس الأمن، بالتصفيق.

ومن هنا يصبح مفهوماً أن يختار اليوم أغنية PJ Harvey التي تتحدث عن الحرب و«الكلمات التي تصنع القتل»، أو أغنية فيلا كوتي التي حولت الموسيقى إلى احتجاج على القمع. فالاختيارات تتقاطع مع تجربة سياسية جعلت من رفض الحرب والدفاع عن الدبلوماسية أحد أبرز عناوينها.

وهذا الموقف ظهر مجدداً خلال الحرب على غزة. فقد كان دو فيلبان من أبرز الشخصيات السياسية الفرنسية التي وجهت انتقادات شديدة للحرب الإسرائيلية ولحجم الضحايا المدنيين والدمار في القطاع، ودعا بصورة متكررة إلى وقف الحرب واحترام القانون الدولي، وانتقد ازدواجية المعايير في التعامل مع النزاعات الدولية. كما دافع عن ضرورة إعطاء القضية الفلسطينية أفقاً سياسياً وعن الاعتراف بالدولة الفلسطينية.

هناك أيضاً خلفية فرنسية أعمق تساعد على فهم الطريقة التي يستخدم بها دو فيلبان الثقافة في السياسة، وهي الإرث الديغولي الذي ينتمي إليه.

فبعد الحرب العالمية الثانية، ومع تراجع الإمبراطورية الاستعمارية الفرنسية وتغير موازين القوى الدولية، أدرك الجنرال شارل ديغول أن فرنسا لم تعد تستطيع بناء مكانتها الدولية على القوة العسكرية والسياسية وحدها. ومن هنا برز مفهوم «عظمة فرنسا – la grandeur de la France»، الذي جعل من استقلال القرار الفرنسي ومن إشعاع فرنسا الثقافي واللغوي عنصرين أساسيين في حضورها الدولي.

وكان إنشاء وزارة الشؤون الثقافية عام 1959 وإسنادها إلى الكاتب والمفكر أندريه مالرو تعبيراً واضحاً عن هذا الخيار. فالثقافة والفنون واللغة الفرنسية أصبحت أدوات أساسية من أدوات الحضور الفرنسي في العالم، واستمر هذا التقليد لاحقاً من خلال الفرنكوفونية والمعاهد الثقافية وشبكات «الأليانس فرانسيز» والسينما والأدب والفنون.

دو فيلبان، المثقف والشاعر والدبلوماسي، يبدو منسجماً مع هذا التراث. فهو يدرك مكانة الثقافة في فرنسا، ويدرك في الوقت نفسه أن الأغنية والقصيدة والكتاب ليست بعيدة بالضرورة عن المعركة السياسية.

لذلك يمكن قراءة قائمته الموسيقية الحالية بأكثر من كونها كشفاً عن ذوق شخصي. فهو يدخل إلى النقاش السياسي من الباب الذي يعرفه جيداً: الثقافة والكلمة.

من فيلا كوتي ومقاومة القمع، إلى PJ Harvey ورفض الحرب، ومن محمود درويش والشعر الفلسطيني إلى خطابه في مجلس الأمن ضد حرب العراق ومواقفه من غزة، تظهر ملامح شخصية واحدة تجمع بين السياسي والدبلوماسي والأديب.

ولهذا، عندما يختار دومينيك دو فيلبان الأغنية مدخلاً إلى حضوره السياسي في الطريق نحو انتخابات 2027، فهو لا يبتكر شخصية جديدة بقدر ما يعود إلى ما شكّل دائماً جزءاً من شخصيته: الإيمان بأن للكلمة والثقافة مكاناً في السياسة، وأن قوة فرنسا لا تكمن فقط فيما تملكه من أدوات القوة، بل أيضاً فيما تستطيع أن تقوله وتكتبه وتقدمه للعالم.