قالت فاطة الزهراء المنصوري، في معرض حديثها عن تدبير الشأن العام، إن «القجع لا يرتمي في البحر بدون مايو». قد تبدو العبارة للوهلة الأولى مجرد استعارة طريفة، لكنها تفتح باباً واسعاً للتساؤل: هل وظيفة المسؤول أن ينتظر دائماً الظروف الآمنة والمضمونة قبل أن ينزل إلى الميدان؟ وماذا يفعل حين يكون المواطن هو الذي يوجد وسط العاصفة، بلا «مايو» يحميه، ولا خيار أمامه سوى مواجهة الفيضان؟
هذا السؤال يعيدنا اليوم إلى تاونات، المدينة التي عاشت محنة الفيضانات، ووجد سكانها أنفسهم في مواجهة الأضرار والخسائر، بينما لم تُعلن المنطقة آنذاك مدينة منكوبة. أما اليوم، وبمجرد أن بدأت رائحة الانتخابات تفوح، يبدو أن شيئاً ما قد تغيّر: الزيارات تتكاثر، والمسؤولون يتحركون، والمدينة تستعيد فجأة مكانتها في أجندة الاهتمام.
فهل كان «المايو» غائباً وقت الكارثة، وحاضراً الآن مع اقتراب الانتخابات؟
المواطن لا يريد مسؤولاً يرتمي في البحر بلا «مايو»، لكنه أيضاً لا يريد مسؤولاً لا يظهر إلا بعد أن يهدأ البحر. المسؤول الحقيقي هو من ينزل إلى الميدان عندما تكون المياه مرتفعة، والطرق مقطوعة، والناس في حاجة إلى الدولة، لا عندما يصبح المشهد مناسباً للصور واللقاءات والوعود.
تاونات لا تحتاج إلى زيارات انتخابية عابرة، بل إلى دولة حاضرة باستمرار، قبل الفيضان وأثناءه وبعده. لأن المسؤولية ليست في اختيار اللحظة الآمنة للنزول إلى البحر، وإنما في امتلاك الشجاعة والوسائل لحماية من يوجدون داخله أصلاً.
فأين كان هذا الحماس حين كانت تاونات تحتاج إلى الإنقاذ لا إلى الصور؟
الانتخابات ليست جريمة، والسياسة ليست تهمة، والتحرك نحو المواطنين أمر مطلوب ومحمود. لكن ما يثير القلق هو أن تتحول حاجات الناس إلى موسم انتخابي، وأن تصبح معاناة المواطنين مجرد مناسبة لاستعادة الحضور السياسي.
تاونات لا تحتاج إلى مسؤولين يزورونها فقط عندما تقترب صناديق الاقتراع. تحتاج إلى مسؤولين كانوا معها عندما كانت الطرق مقطوعة، وعندما كان الفلاح يخشى على رزقه، وعندما كانت الأسر تنتظر الدعم، وعندما كانت أصوات المتضررين تطالب بأن تُعامل منطقتهم بالجدية نفسها التي عوملت بها مناطق أخرى.
لقد كشفت الفيضانات شيئاً أعمق من حجم الأضرار المادية: كشفت هشاشة التنمية واللاعدالة المجالية التي يعاني منها الإقليم منذ سنوات، وفق ما أكدته فعاليات مدنية خلال المطالبة بإعلان تاونات منطقة منكوبة.
واليوم، إذا كان المسؤولون قد اكتشفوا فجأة طريق تاونات، فليكن هذا الاكتشاف دائماً، لا موسمياً. وإذا كانت الانتخابات قد أعادت الإقليم إلى خريطة الزيارات والاهتمام، فليتذكر الجميع أن تاونات ليست صندوقاً انتخابياً، بل مدينة وقرى وناس لهم كرامة وحقوق وذاكرة.
المواطن لا يريد أن يراه المسؤول في موسم الانتخابات فقط؛ يريد أن يراه في موسم المسؤولية.
فالكارثة لا تبدأ عندما تهطل الأمطار، ولا تنتهي عندما تتوقف. الكارثة الحقيقية هي أن يتحول وجع الناس إلى مادة انتخابية، وأن يصبح حضور المسؤول مرتبطاً بعدد الأيام المتبقية على الاقتراع.






