مجتمع وحوداث

رمال البدوزة في مهب الريح: الإسمنت يبتلع كثبان الساحل.. ورمال تروج خارج القانون وتسوية الأرض تنذر بكارثة بيئية

خالد أخازي (صحفي و كاتب)

على بعد ثلاثة كيلومترات فقط.. استنساخ لغز الرمال في البدوزة يضع السلطات أمام امتحان الصمت أو المحاسبة

شاحنات بلا أثر وأموال خارج السجلات.. من يتستر على إعدام الملك البحري في البدوزة؟

أسئلة مزعجة على طاولات المسؤولين.. كيف تحولت رخص البناء إلى جواز مرور لاستنزاف ثروات البدوزة؟


لم تكد تهدأ زوبعة المشروع الأول في منطقة البدوزة، وما رافقه من أسئلة ثقيلة حول مصير أطنان من الرمال التي أزيلت تحت غطاء تسوية الأرض، حتى تفجرت معطيات جديدة أكثر إثارة وصدمة. على بعد ثلاثة كيلومترات فقط من الموقع الأول، انطلقت أشغال مشروع ثان يكرر السيناريو ذاته، وبنفس المنهجية، وبنفس الصمت المؤسساتي. 

نحن هنا لم نعد أمام حالة معزولة يمكن تبريرها بسوء تقدير هندسي أو تجاوز فردي، بل نحن أمام ما يبدو أنه منهجية عمل تتخذ من رخص البناء غطاء لعمليات واسعة تستهدف تضاريس الساحل وتستنزف ثرواته الرملية بطرق تطرح أكثر من علامة استفهام حول وجهتها، وطبيعة المعاملات المالية المرافقة لها، وحجم التواطؤ أو التقصير في المراقبة.


إن تواتر هذه المشاريع التي تبدأ بحفريات عميقة وإزالة مكثفة للكثبان الرملية، يضعنا أمام قضية رأي عام حقيقية تتجاوز حدود الجدل المحلي لتعانق إشكالات وطنية كبرى ترتبط بحماية الساحل، وتدبير الملك العمومي البحري، ومكافحة الاقتصاد غير المهيكل. القضية اليوم تتطلب تحقيقا صحفيا استقصائيا يغوص في العمق، ويفكك خيوط هذه الشبكة من المصالح التي تبدو مستفيدة من هذا الوضع الضبابي، حيث تختلط أوراق التعمير بأطماع استغلال المقالع، وتضيع ملايين الدراهم في مسالك مظلمة بعيدا عن أعين الخزينة العامة.


 *مشروع ثان.. حين تتحول الصدفة إلى منهجية* 


ظهور مشروع ثان على مسافة قريبة جدا من المشروع الأول، وبنفس المواصفات التقنية التي تعتمد على إزالة كميات هائلة من الرمال بداعي تسوية البقعة الأرضية، يسقط فرضية الصدفة. هذا التطابق في الأسلوب يثير شكوكا مشروعة حول وجود ثغرة قانونية أو إدارية يتم استغلالها بذكاء لتحقيق أرباح مضاعفة. فبدلا من اللجوء إلى المساطر المعقدة والمكلفة لفتح مقلع رمال قانوني، يبدو أن البعض وجد في رخص البناء والمشاريع السياحية أو العقارية طريقا مختصرا ومجانيا للوصول إلى الذهب الأبيض.

إن توالد هذه المشاريع يطرح سؤالا جوهريا حول الجهة التي تدرس هذه الملفات وتصادق عليها. هل يعقل أن يتم الترخيص لمشاريع تتطلب إحداث تغييرات جذرية في طوبوغرافيا الساحل دون إرفاقها بدراسات تأثير بيئي صارمة؟ وكيف يمكن تبرير هذه المصادقات المتتالية في ظرف وجيز وفي نفس الشريط الساحلي؟ هذه التساؤلات تضع لجان الاستثمار والتعمير في قفص المساءلة، وتدفعنا للبحث في خلفيات هذه القرارات ومدى استنادها إلى معايير تقنية وبيئية سليمة، أم أنها خضعت لاعتبارات أخرى لا علاقة لها بالتنمية المستدامة.


 *شبهة البيع خارج المساطر..؟* 


المعضلة الأكبر في هذا الملف لا تقتصر على الحفر، بل تمتد إلى الوجهة النهائية لتلك الرمال المستخرجة. نحن نتحدث عن آلاف الأمتار المكعبة التي تختفي من الموقع بمجرد تحميلها على متن الشاحنات. المعطيات المتداولة بقوة في الكواليس تشير إلى شبهة بيع هذه الرمال خارج الإطار القانوني، وبعيدا عن أي تتبع إداري أو جبائي. هذا يعني أن الرمال التي تعتبر نظريا جزءا من الثروة الوطنية، تتحول إلى أموال نقدية تضخ في جيوب جهات مجهولة دون أن تترك أثرا محاسبيا.

هذه العملية، إذا ثبتت صحتها، تشكل ضربة قاضية لمبدأ المنافسة الشريفة وتكبد الخزينة العامة خسائر فادحة. فالبيع دون فواتير، ودون تصاريح ضريبية، ودون أداء الرسوم المستحقة للجماعات الترابية، يدخل في خانة الاقتصاد الأسود والتهرب الضريبي. 


 *من يشتري هذه الرمال؟* 


هل توجه لتموين أوراش بناء كبرى في المنطقة؟ وكيف يتم إدخالها إلى تلك الأوراش دون وثائق تثبت مصدرها القانوني؟ إن غياب سندات النقل وتصاريح المصدر يضع جميع الأطراف المتدخلة، من صاحب المشروع إلى السائق وصولا إلى المشتري النهائي، أمام مسؤولية قانونية جسيمة تتطلب تدخل المفتشية العامة للمالية والمديرية العامة للضرائب لفتح تحقيق معمق في حركة الأموال المرتبطة بهذه العمليات

.

 *أخطار تسوية الأرض على البحر..* 


جريمة بيئية مكتملة الأركان

بعيدا عن الشق المالي، تخفي عمليات الحفر والتسوية كارثة بيئية حقيقية تهدد المنظومة الإيكولوجية لشريط البدوزة. إن الكثبان الرملية الساحلية ليست مجرد أكوام من الرمال يمكن إزالتها لتوفير إطلالة بانورامية على البحر، بل هي خط الدفاع الأول الذي يحمي اليابسة من غارات المحيط. هذه التكوينات الطبيعية تلعب دورا حيويا في كسر قوة الأمواج، والحد من التعرية الساحلية، وحماية الفرشة المائية الجوفية من تسرب المياه المالحة.

عندما تقوم آليات الحفر بإزالة هذه الكثبان وتسوية الأرض لتصبح في مستوى سطح البحر أو أدنى منه، فإنها تدمر هذا الحاجز الطبيعي وتفتح الباب على مصراعيه لتوغل مياه البحر. النتيجة الحتمية لهذه الممارسات هي تسريع وتيرة التآكل الساحلي، وتهديد البنيات التحتية المجاورة، وتملح الآبار والأراضي الزراعية القريبة. مع التغيرات المناخية وتوقع ارتفاع منسوب مياه البحار، تصبح هذه المشاريع بمثابة قنابل موقوتة تهدد بإغراق المنطقة بأكملها في المستقبل غير البعيد.

القانون رقم 81.12 المتعلق بالساحل كان واضحا وصارما في هذا الشأن، حيث منع بشكل قاطع أي مساس بالكثبان الرملية الساحلية، وفرض مسافة تراجع إجبارية للمباني لتفادي هذه المخاطر. فكيف يتم تجاهل هذه المقتضيات القانونية الصريحة في مشاريع البدوزة؟ وكيف يمكن تبرير تسوية الأرض على حساب الأمن البيئي للمنطقة؟ إنها جريمة بيئية ترتكب في وضح النهار تحت يافطة الاستثمار العقاري.


 *أسئلة محرجة.. أين العيون التي لا تنام؟* 


هل تم تحرير محاضر مخالفات فور معاينة هذه الأشغال التي تتجاوز حدود رخصة البناء؟ إذا كان الجواب نعم، فأين هي هذه المحاضر ولماذا لم تفعل لترتيب الجزاءات القانونية وإيقاف الأشغال؟ وإذا كان الجواب بالنفي، فما هو المبرر لهذا الصمت المريب؟ هل يتعلق الأمر بضعف في المراقبة ونقص في الموارد البشرية؟ أين لجان اليقظة والتنسيق، محليا و إقليميا وجهويا؟


 *من يحرس الملك العمومي البحري؟* 


وزارة التجهيز والماء، بصفتها الوصية على تدبير الملك العمومي البحري، تجد نفسها في قلب العاصفة. هذا الملك ليس أرضا خلاء مستباحة، بل هو رصيد وطني محمي بقوة القانون. أين هي مديرية التجهيز الإقليمية والجهوية مما يقع في البدوزة؟ هل تم تحديد الملك العمومي البحري في هذه المنطقة بدقة؟ وهل تم احترام مسافة التراجع القانونية من طرف أصحاب المشاريع؟

أين هي شرطة الملك العمومي البحري التي خول لها القانون صلاحيات واسعة لضبط المخالفات وتحرير المحاضر؟ كيف تم السماح لشاحنات يفترض أنها تنقل مواد من مقالع غير مرخصة بالمرور عبر الطرق المصنفة التي تدخل في نفوذ الوزارة دون مراقبة وثائق حمولتها؟

 إن وزارة التجهيز مطالبة اليوم بالخروج ببيان تفصيلي يوضح وضعية هذه العقارات وعلاقتها بالملك البحري، والكشف عن حجم الأضرار التي لحقت بالملك العام والإجراءات القانونية التي اتخذتها لاسترجاع حقوق الدولة.