س: أيتها "البطالة"، من أنتِ؟ وكيف تُعرّفين نفسك للمغاربة؟
البطالة: أنا لست مجرد رقم إحصائي في تقارير المندوبية السامية للتخطيط، بل أنا حالة اغتراب نفسي واقتصادي.
أنا ذاك الشاب البالغ من العمر ثلاثين سنة الذي ما زال يطلب مصروف جيبه اليومي من والده المتقاعد.
أنا الخريج الذي قضى سنوات في المدرجات الجامعية لينتهي به المطاف جالساً على رصيف مقهى شعبي يراقب المارة.
أنا الطاقة المعطلة، والوقت المهدور، والأمل المؤجل.
هويتي في المغرب هي "الانتظار القاتل" الذي يحوّل الحلم إلى إحباط.
س: متى ظهرتِ في المغرب بشكل هيكلي؟ وكيف تطورتِ عبر العقود؟
البطالة: في مغرب ما بعد الاستقلال، ولمدة عقدين، لم أكن بتلك الشراسة. كان جهاز الدولة يمتص معظم الخريجين عبر الوظيفة العمومية والتعليم والصحة.
نقطة التحول الحقيقية لي كانت في بداية ثمانينيات القرن الماضي (1983 تحديداً) مع تطبيق "برنامج التقويم الهيكلي" بفرضه من صندوق النقد الدولي. هنا ولدتُ بشكلي الحديث؛ رفعت الدولة يدها تدريجياً عن التوظيف المباشر، وتراجع الإنفاق الاجتماعي.
في التسعينيات، تحولتُ إلى ظاهرة جماعية بظهور "تنسيقيات المعطلين حاملي الشهادات" الذين جعلوا من شوارع الرباط مكاناً للاحتجاج اليومي.
ومع الألفية الجديدة، تطورتُ وتنوعتُ: لم أعد حكراً على الأميين أو غير المتعلمين، بل أصبحتُ رفيقة مخلصة لحاملي الإجازة، الماجستير، وحتى مهندسي وأطباء العشريات الأخيرة.
س: يُلاحظ اليوم أنكِ لم تعودي حكراً على الفقراء، بل دخلتِ بيوت الطبقة الوسطى وفئات أخرى. كيف توسعت قاعدتكِ لتسكن كل بيت؟
البطالة: نعم، لقد كنت في السابق أعيش غالباً في أحزمة البؤس وحواشي المدن، لكنني اليوم نجحت في العولمة واقتحام كل البيوت وتجاوزت الفوارق الطبقية:
في بيت الفقراء: أنا أهدم الأمل الأخير للعائلة. الأسرة الفقيرة تبيع ما تملك ليتعلم ابنها، وعندما يتعطل، أكرس الفقر كإرث أبدي.
في بيت الطبقة الوسطى: أنا الكابوس الذي يهدد استقرارها. الآباء من الموظفين والأطر أنفقوا مبالغ طائلة في المدارس الخصوصية والجامعات، والآن يجدون أبناءهم معي في غرفهم، مما يؤدي إلى تآكل مدخرات الأسرة وانهيار قيمتها الطبقية نحو الأسفل.
في مناطق الهامش والمدن الصغيرة: هناك أنا الحاكم الفعلي. غياب المصانع، وضعف الاستثمارات، وجفاف الموارد الطبيعية أو الفلاحية جعل شباب تلك المناطق فريسة سهلة لي، مما يدفعهم لخيارات انتحارية.
س: الخطاب الرسمي يطلق أرقاماً متفائلة حول إحداث مناصب الشغل، والواقع في الضواحي والهامش يصدمنا بعكس ذلك. من المسؤول عن هذا التناقض وعن وجودكِ؟
البطالة: المسؤولية مشتركة ومركبة، ويمكنني تلخيصها في ثلاثة مستويات:
* فشل السياسات العمومية والنموذج التنموي: الاستثمارات الكبرى ركزت لسنوات على البنية التحتية (موانئ، طرق سيارة) وعلى محاور جغرافية محددة (محور القنيطرة-الدار البيضاء)، مما ترك المدن الصغيرة والضواحي خارج كعكة التنمية. الأرقام الرسمية غالباً ما تحسب "الشغل غير المهيكل" أو "المؤقت" كمنصب شغل، بينما الواقع يطلب استقراراً ودخلاً قاراً.
* منظومة التعليم والتكوين: هناك انفصام كامل بين ما تنتجه الجامعة المغربية من معارف نظرية وأدبية، وبين متطلبات سوق الشغل العصرية التي تبحث عن مهارات تقنية، رقمية، ولغوية دقيقة.
*هشاشة القطاع الخاص: القطاع الخاص في المغرب يتكون في أغلبيته الساحقة من مقاولات جد صغيرة وغير مهيكلة، عاجزة عن الابتكار والنمو، وبالتالي عاجزة عن خلق فرص عمل لائقة وحماية حقوق الأجراء.
س: نسألكِ بصراحة أيتها البطالة عن التداعيات والآلام الناجمة عنكِ. يتهمونكِ بنشر الانحراف، الجريمة، ضرب القيم، والفوضى.. فما قولكِ؟
البطالة: أنا لا أنكر ذلك، فأنا التربة الخصبة لكل هذه الآفات. عندما أحرم الإنسان من الشغل، أنا لا أحرمه من المال فقط، بل أجرده من كرامته وإحساسه بالقيمة داخل المجتمع. هذا الفراغ والامتهان ينتج تداعيات مدمرة:
الانحراف والمخدرات: الشاب الذي يواجه فراغاً قاتلاً يهرب من واقعه بركوب قطار الإدمان (الأقراص المهلوسة، الكوكايين، الشيرا) لتخدير ألمه اليومي.
الجريمة وقطاع الطرق: الحاجة المادية مع غياب الأفق تدفع البعض للسرقة، الكريساج (السرقة تحت التهديد)، والاعتداء، فتتحول طاقات الشباب من البناء إلى التخريب.
ضرب منظومة القيم: أنا من يغذي اليأس، واليأس يقتل قيم المواطنة والتضامن. ينتشر الحقد الاجتماعي، عدم الثقة في المؤسسات، والبحث عن الربح السريع بشتى الطرق غير المشروعة (الهجرة السرية، النصب، الارتشاء).
إنتاج البؤساء والمشردين: أنا الوقود اليومي لظاهرة "الهجرة السرية" (الحريڭ) وقوارب الموت، وأنا من يملأ المقاهي وجنبات الشوارع بأجساد حية بأرواح منطفئة.
س: نريد منكِ مؤشرات وأجوبة شافية.. كيف يمكن للمجتمع والدولة تجاوز محنتكِ والدفع بكِ إلى الخلف؟
البطالة: إذا أردتم محاصرتي وتقليص نفوذي، فالأمر لا يحتاج لخطابات مسكنة، بل لثورة هيكلية تقوم على الركائز التالية:
تعديل البوصلة الجغرافية للاستثمار: يجب توجيه الاستثمارات والمحفزات الضريبية نحو المدن الصغيرة، وضواحي المدن الكبرى، ومناطق الحاشية السفلى.
العدالة المجالية هي مفتاح الحل.
ثورة جذرية في التعليم: إيقاف النزيف في التخصصات الأدبية والنظرية المشبعة، وتوجيه الدعم الكامل للتكوين المهني المتقدم، الذكاء الاصطناعي، اللغات الحية، والمهارات الحياتية (Soft Skills) التي تطلبها الشركات الدولية والمحلية.
دعم حقيقي للمقاولات الناشئة والتشغيل الذاتي: تبسيط المساطر الإدارية، وتسهيل الولوج للقروض البنكية للشباب دون شروط تعجيزية، ومواكبة المقاولين الشباب لضمان استمرار مشاريعهم بدلاً من موتها في المهد.
إصلاح القطاع غير المهيكل: إدماج الملايين من العاملين في القطاع غير المنظم ضمن الاقتصاد المهيكل عبر تحفيزات ضريبية وحماية اجتماعية حقيقية، لتحويل "شبه الشغل" إلى شغل لائق مستدام.
تفعيل حقيقي لآليات الوساطة في التشغيل: تطوير دور الوكالة الوطنية لإنعاش التشغيل والكفاءات (ANAPEC) لتقوم بدور ديناميكي يربط حقيقةً بين العاطل والمشغل بناءً على الاحتياجات الآنية والمستقبلية.
خاتمة الحوار:
تظل البطالة في المغرب بمثابة المرآة التي تعكس جودة الاختيارات الاقتصادية والاجتماعية للبلاد. ومواجهتها ليست ترفاً فكرياً، بل ضرورة قصوى للحفاظ على الأمن والسلم الاجتماعيين وتجنيب الوطن نزيف كفاءاته وطاقاته الشابة في غياهب الانحراف أو أعماق البحار.






