رأي

يوسف غريب: حماية الثغور عقيدة دولة وذاكرة أمّة

عندما يستحضر وزير الأوقاف تاريخ علماء سبتة ومؤلفات مثل دلائل الخيرات للشيخ الجزولي أو كتاب الدر المنظم في مولد النبي المعظم للإمام أبي العباس العزفي السبتي استجابة وتأكيدا للرسالة الملكية السامية الموجهة للمجلس العلمي الأعلى فهو لا يقرأ صفحة من كتاب قديم ليزجي الوقت بل يفتح شباكاً على التاريخ ليُطل منه الإسبان رغماً عنهم.. 

فالسياسة الدبلوماسية ليست دائماً مؤتمرات صحفية ولا بيانات جافة يُلقيها رجال جادون في بدلات أنيقة. 

فقد تكون أيضاً تكون عمامة فقيه أو مخطوطاً سبتياً عتيقاً خطته يد آل العزفي أو أوراداً صوفية جزولية كانت قديماً تُقرأ في الخيام لتشحذ النفوس للذود عن الأرض وتحرير الثغور. 

فالإسبان قد يظنون أن سبتة ومليلية مجرد منتجعين سياحيين على الشاطئ أو نقطتين دافئتين للجمارك لكنهم ينسون أن تحت كل حجر فيهما مدرسة علمية ورسالة فقهية وقطرة من روح هذا الوطن.. 

وأن الذاكرة عند الشعوب الأصيلة لا تصاب بالزهايمر مهما طال المشيب والذكاء هنا ليس في إعلان الحرب بل في إدارة الرمز وتعبئة الذاكرة... 

فحين يُستدعى قامات سبتة وأعلامها في مجلس يرأسه أمير المؤمنين، تفعيلاً للرؤية الملكية الداعية لإبراز العطاء العلمي لعلماء المغرب وثغوره فإن الرسالة تتجاوز التكتيك السياسي العابر لتقول:

إن حراسة الثغور ليست مجرد بند في أجندة حكومية تذهب وتأتي مع الانتخابات بل هي عقيدة سياسية وشرعية واكبت المملكة المغربية منذ قرون.

إنها لعبة توزيع أدوار إستراتيجية بامتياز فالأوقاف تستند إلى التوجيهات الملكية لترفع الملف إلى مرتبة الواجب الروحي والميثاق التاريخي وبعدها بأيام يخرج وزير العدل ليترجم الكلام ذاته إلى لغة الجغرافيا والقانون الدولي، قائلاً برزانة: (هذه أرضنا.. والحوار هو طريقنا) . 

فالفقية يذكّرنا بالحق الشرعي والتاريخي والسياسي يمسك الخريطة والممسطرة وكلاهما يعزف النغمة ذاتها ولكن بألحان مختلفة

والغريب أن التاريخ يعلمنا أن الجيوش قد تبني قلعاً وحصوناً ولكنها لا تستطيع أبداً أن تبني "شرعية". 

فالمدن قد تُغتصَب بالسلاح في لحظة ضعف لكنها لا تُنسى طالما هناك من يقرأ تاريخ علمائها في العلن ويرفض أن يطوي الصفحة.. فالسياسة في النهاية ليست من ينتصر في الجولة الأولى بل من يملك الصبر ليجلس على الكرسي وينتظر الجولة الأخيرة.

نعم نحن في بداية نهاية هذه الجولة الأخيرة.