في بورصة التكهنات السياسية بهذا البلد السيء الحظ سياسيا، يعاد مرارا وتكرارا تدوير أسطورة "الرجل الحديدي" الذي يملك العصا السحرية لحل معضلات البلاد الهيكلية، ويُدفع بوزير الميزانية فوزي لقجع إلى واجهة المشهد كبديل جاهز ورئيس حكومة مفترض، في قفز مفرط على أبجديات العمل السياسي والشرعية الديمقراطية.
غير أن القراءة المتأنية لما وراء الستار تكشف أننا لسنا أمام زعامة سياسية ولدت من رحم المعاناة الشعبية، بل أمام "فقاعة سياسية" صُنعت بعناية مبتذلة، تم فيها استثمار بريق الملاعب وتجيير طموحات المغاربة الكروية لبناء رأسمال رمزي يُراد له اليوم أن يغطي على جفاف الميزانية وحرقة الواقع الاجتماعي.
إن النقد الأساسي الموجه لهذا الصعود "المظلي" يكمن في غياب الحاضنة النضالية والتاريخ الحزبي الفعلي، فالرجل الذي قضى عقودا في الإدارة المالية ككفاءة تقنية مستقلة، هبط فجأة في يمين حزب الأصالة والمعاصرة ليتسلم فورا مقعدا في مكتبه السياسي، دون أن يختبر يوما واحدا حماس القواعد أو مشاق الإقناع الميداني.
هذا العقم في إنتاج النخب الحزبية هو الذي يدفع بالبعض لترويج فكرة أن لقجع "أكبر من صناديق الاقتراع"، وهي مغالطة مكشوفة تحاول شرعنة الهروب من محك الشارع، إذ كيف لمن يطمح لقيادة الجهاز التنفيذي ومخاطبة وجدان المغاربة أن يتراجع عن دخول غمار الانتخابات التشريعية مفضلا البقاء في المناطق الدافئة للتعيينات التكنوقراطية؟.. إن الشرعية الحقيقية تُنتزع من صناديق الزجاج لا من كواليس الصالونات.
ولم يكن وجود لقجع الدائم تحت أضواء انتصارات "الساحرة المستديرة" أمرا عفويا، بل كان استراتيجية تواصلية ذكية لخلق "مظلة واقية" تحميه من السخط الشعبي. فالرجل أدرك مبكرا أن التدبير الصارم لميزانية الدولة وإملاءات المؤسسات المانحة الدولية لا تصنع حبا في القلوب، بل تجلب الغضب جراء غلاء المعيشة وتدهور القدرة الشرائية، فكان الحل هو الاحتماء "بالفرح الجماعي" للمونديال حيث دأب لقجع على الظهور في المدرجات و ربط نفسه بالانتصارات حتى لو كلفه ذلك الانتقال بشكل يومي بين قارتين يفصلهما المحيط الأطلسي .
لقد جرى بشكل متعمد شخصنة نجاحات كروية هي في الأصل نتاج استراتيجية دولة وتوجيهات عليا واستثمارات ضخمة، ليظهر الوزير في ثوب البطل القومي، وهي آلية مكنته من تمرير سياسات ميزانياتية جافة دون أن يدفع ثمنها من رصيده الرمزي، مستفيدا من حصانة وجدانية مؤقتة يسعى الآن لصرفها في سوق التوازنات السياسية والحكومية.
لكن قيادة الأوطان وتدبير الشأن العام يختلفان تماما عن تسيير جامعة رياضية أو ضبط أرقام الصادرات والواردات، فرئيس الحكومة ليس "مدير ميزانية ممتاز" بل هو فاعل سياسي بالدرجة الأولى، مطالب بالقدرة على الإنصات، واحتواء غضب الشارع، وصناعة التوافقات الصعبة مع النقابات والأغلبية الحكومية.
والاصطدامات السياسية الأخيرة التي استعمل فيها لقجع وصف الارهابيين مع حلفائه في التحالف الحكومي تعطي إشارة واضحة على أن الصرامة الإدارية الجافة قد تتحول سريعا إلى عزلة سياسية خانقة في مشهد محكوم بالتوازنات الحذرة.
إن محاولة تسويق "المنقذ التكنوقراطي" بناء على إنجازات مستعارة من الملاعب سرعان ما ستصطدم بواقع مغرب العمق، الذي لا تعنيه منصات التتويج ولا لغة الأرقام الصماء بقدر ما تعنيه كرامته اليومية وعدالة التوزيع، فالأوطان تُبنى بالمؤسسات والسياسات الاجتماعية المستدامة، لا بفقاعات الكاريزما العابرة..






