مجتمع وحوداث

الدخول الجامعي بين الحصيلة واستحقاقات 2026-2027

محمد الغاشي (أستاذ التعليم العالي جامعة عبد المالك السعدي بتطوان)
تقديم. 

يأتي الدخول الجامعي المغربي 2026-2027 في لحظة مختلفة عن الدخولات الجامعية السابقة؛ فهو لا يطرح فقط سؤال كم طالباً سيستقبل؟ وكم مؤسسة ستفتح أبوابها؟، وإنما يطرح سؤالاً أعمق: ماذا تحقق فعلاً من إصلاح الجامعة، وما الذي ينبغي أن يتغير حتى لا يتحول الإصلاح إلى مجرد تدبير سنوي لأزمة متجددة؟

وتزداد أهمية هذا السؤال لأن الموسم الجديد يتزامن مع نهاية مرحلة حكومية، ومع الاستحقاقات التشريعية لسنة 2026، ومع استمرار تنزيل إصلاحات مرتبطة بالتكوين والبحث العلمي والحكامة والرقمنة وربط الجامعة بسوق الشغل.

1. ماذا في الحصيلة: توسع كمي واضح، لكن السؤال النوعي ما زال قائماً؟!

 ان من أبرز مظاهر التحول خلال السنوات الأخيرة توسيع العرض الجامعي والتكويني، خصوصاً في المجالات الطبية والصحية والهندسية والرقمية. ويظهر ذلك مثلاً في برمجة 7340 مقعداً برسم مباراة الولوج إلى كليات الطب والصيدلة وطب الأسنان للموسم 2026-2027، منها 5790 في الطب و1090 في الصيدلة و460 في طب الأسنان. وهذا تطور مهم، لكنه يقود إلى سؤال جوهري: هل تستطيع الجامعة المغربية أن تنتقل من منطق توسيع المقاعد إلى منطق تحسين جودة التكوين ومردودية الاستثمار في الطالب؟ فالزيادة في الطاقة الاستيعابية لا تعني بالضرورة زيادة في الجودة.

2. الاستحقاق الأول: إنجاح الدخول الجامعي دون إعادة إنتاج الاختلالات

 ان لدخول الجامعي الناجح لا يقاس فقط بانطلاق المحاضرات في موعدها، وإنما بمدى قدرة الجامعة على ضمان: تسجيل سلس ورقمي للطلبة؛ توجيه جامعي أكثر عقلانية؛ تقليص الاكتظاظ؛ انتظام الدراسة والامتحانات؛ توفير التأطير البيداغوجي؛ معالجة ظاهرة الهدر والانقطاع؛ تحسين الخدمات الاجتماعية؛ توفير فضاءات البحث والتجهيزات؛

وربط التكوين بالمهارات المطلوبة في الاقتصاد الجديد.

وهنا تظهر مشكلة مزمنة، فالجامعة المغربية قطعت أشواطاً في إصلاح هندسة التكوين، لكنها لم تحسم بعد مشكلة الحكامة والنجاعة.

3. الاستحقاق الثاني: القانون الجديد والحكامة

 ان من الملفات التي ستفرض نفسها بقوة في 2026-2027 إعادة ترتيب علاقة الدولة بالجامعة وبالمؤسسات الجامعية في ضوء الإصلاح التشريعي الجديد. فالسؤال لم يعد فقط، ما صلاحيات رئيس الجامعة؟ بل أصبح: ما حدود المسؤولية؟ ومن يحاسب؟ وبأي مؤشرات؟ وهذا يقود إلى الانتقال من جامعة تقوم على المسؤولية الإدارية إلى جامعة تقوم على المسؤولية المقرونة بالنتائج. فلا معنى لمشروع تطوير جامعي إذا لم تتمكن الوزارة والجامعات والمجالس المختصة من الإجابة بوضوح عن أسئلة مثل: كم بلغت نسبة النجاح؟ كم بلغت نسبة الانقطاع؟ ما مدة الحصول على الشهادة؟ كم من خريجي الجامعة اندمجوا في سوق العمل؟ ما مردودية المختبرات؟ ما حجم الإنتاج العلمي المؤثر؟ ماذا أنتجت مشاريع تطوير الجامعات فعلياً؟ وهنا يصبح الدخول الجامعي 2026-2027 اختباراً للحكامة أكثر منه مجرد موعد بيداغوجي.

4. الاستحقاق الثالث: التوقيت الميسر و"الجامعة للجميع"، يظل ملف التوقيت الميسر أحد أكثر الملفات حساسية، خصوصاً بالنسبة للطلبة الموظفين والأجراء.

وقد برز خلال السنوات الأخيرة نقاش حول الرسوم وشروط الاستفادة وتوحيدها وطنياً، مع توصيات بإعفاء ذوي الدخل المحدود وتوحيد رسوم التسجيل في مختلف الجامعات. وهذا الملف يكشف إشكالية أكبر:

هل تريد الجامعة المغربية أن تكون مؤسسة للتكوين المستمر وإعادة تأهيل الكفاءات مدى الحياة، أم أن التعليم الجامعي سيظل محكوماً بمنطق التكوين الأولي فقط؟ ففي عالم تتغير فيه المهن بسرعة، ينبغي أن يصبح التعلم مدى الحياة جزءاً من وظيفة الجامعة وليس نشاطاً هامشياً.

5. الاستحقاق الرابع: الذكاء الاصطناعي والجامعة

ان الدخول الجامعي 2026-2027، سيكون بلا شك أمام امتحان الذكاء الاصطناعي، فلم يعد السؤال: هل تستخدم الجامعة الذكاء الاصطناعي؟ بل، كيف تستخدمه؟ ومن يضع قواعد استخدامه؟ وكيف تحمي النزاهة الأكاديمية؟ ان الان المطلوب هو الانتقال من التخوف من الذكاء الاصطناعي إلى بناء سياسة جامعية للذكاء الاصطناعي تشمل: التعليم والتعلم؛ البحث العلمي؛

تقييم الطلبة؛ الكتابة الأكاديمية؛ كشف الانتحال والغش؛

تكوين الأساتذة؛ حماية المعطيات؛ وأخلاقيات استخدام النماذج الذكية. فالجامعة التي تمنع الذكاء الاصطناعي دون أن تفهمه ستجد نفسها عاجزة أمام تحول معرفي عالمي.

6. الاستحقاق الخامس: البحث العلمي... الحلقة الأضعف؟ 


وهنا تكمن ربما أكبر مفارقة في الجامعة المغربية. فقد توسع عدد الجامعات والتخصصات والمختبرات، لكن السؤال الحقيقي هو: هل أصبح البحث العلمي المغربي منتجاً للمعرفة، أم ما زال في جزء منه منتجاً للنشر من أجل الترقية؟ 

ان الدخول الجامعي الجديد ينبغي أن يفتح ورشاً حقيقياً لتقييم المختبرات؛ مراكز البحث؛ الفرق البحثية؛

تمويل المشاريع؛ جودة المنشورات؛ براءات الاختراع؛

الشراكات الدولية؛ تحويل البحث إلى ابتكار؛ وعلاقة البحث بحاجات الاقتصاد والمجتمع. فالجامعة لا تقاس فقط بعدد المقالات المنشورة، وإنما بقدرتها على إنتاج معرفة قابلة للتوظيف في التنمية وصناعة القرار.

7. الاستحقاق السادس: الجامعة وسوق الشغل

وتبقى هذه المعضلة التي ستزيد من الضغطا في 2026-2027. فلم يعد مقبولاً أن تسأل الجامعة فقط:

كم طالباً تخرج؟ بل ينبغي أن تسأل: ماذا حدث لهذا الطالب بعد التخرج؟ ولهذا ينبغي أن تصبح قابلية تشغيل الخريجين مؤشراً أساسياً في تقييم المؤسسات والتخصصات. ويستوجب ذلك إعادة النظر في عدد من المسالك التي لا تستجيب بما يكفي لتحولات الاقتصاد المغربي، مقابل الاستثمار في: الذكاء الاصطناعي؛ الأمن السيبراني؛ علوم البيانات؛ الرقمنة؛ الطاقات المتجددة؛

الهندسة؛ التكنولوجيا الصحية؛ الصناعات المتقدمة؛

الاقتصاد الأخضر؛ والصناعات الثقافية والإبداعية.

وتكشف لوائح المسالك المعتمدة بالفعل عن توسع متزايد في تخصصات مثل الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والبيانات الضخمة، والهندسة الرقمية وغيرها. 

8. الاستحقاق السياسي: الجامعة في سنة انتخابية، هنا تبرز خصوصية الدخول الجامعي 2026-2027. فنحن أمام جامعة تدخل موسماً أكاديمياً في سنة انتخابية.

ومن الخطأ اختزال ذلك في سؤال: هل ستشارك الجامعة في الانتخابات أم لا؟ بل السؤال الأعمق هو هل تستطيع الجامعة أن تؤدي وظيفتها المدنية دون أن تتحول إلى فضاء للاستقطاب الحزبي؟ فالجامعة مطالبة بأن تكون فضاءً لـ: التفكير النقدي، التربية على المواطنة، تحليل البرامج الانتخابية، فهم السياسات العمومية، وتكوين المواطن القادر على مساءلة النخب. لكن عليها في الوقت نفسه أن تحافظ على استقلالها الأكاديمي. وهذا يعني أن الحياد الجامعي لا ينبغي أن يعني الصمت المجتمعي.

9. من "الدخول الجامعي" إلى "المشروع الجامعي"

 لماذا نتحدث كل سنة عن الدخول الجامعي وكأنه حدث موسمي؟ فالأجدى أن نتحدث عن: المشروع الجامعي 2026-2030. أي، أن يكون الدخول الجامعي مجرد محطة داخل مشروع يمتد لسنوات، وتحدد له أهداف قابلة للقياس. ويمكن اختصار هذا المشروع في خمسة رهانات: الجودة هل تحسن مستوى التكوين؟

الحكامة من يتحمل المسؤولية ومن يحاسب؟ البحث ماذا تنتج الجامعة من معرفة وابتكار؟ التشغيل ماذا يفعل الخريجون بعد التخرج؟ والمواطنة أي مواطن تريد الجامعة أن تكون؟

10. فرضيات للدخول الجامعي 2026-2027، هناك ثلاث سيناريوهات ممكنة 

- الأول: الاستمرارية، بان يتم تدبير الموسم بشكل عادي، مع استمرار مشاريع الإصلاح والتوسع في العرض. وفي هذه الحالة تكون النتيجة: استقرار نسبي، لكن دون تغيير بنيوي كبير.

الثاني: الإصلاح المؤسسي، بان يتم ربط الإصلاح بالحكامة والمساءلة وتقييم أداء الجامعات ورؤسائها ومؤسساتها. وتكون النتيجة في هذه الحالة بداية تحول حقيقي في طريقة إدارة الجامعة.

الثالث: الجامعة الجديدة، وهذا هو الهدف، جامعة:

رقمية، منفتحة، منتجة للمعرفة، مرتبطة بسوق الشغل، خاضعة للتقييم، قادرة على استقطاب الكفاءات، ومنخرطة في قضايا المجتمع والدولة.

في الختام، الدخول الجامعي أم امتحان الجامعة المغربية؟ ان الدخول الجامعي 2026-2027 ليس مجرد موسم جديد. إنه امتحان لحصيلة مرحلة كاملة. فالجامعة المغربية اليوم لا تحتاج فقط إلى مزيد من المقاعد والمدارس والمسالك؛ إنها تحتاج إلى نظام جديد لقياس النجاح. والسؤال الذي ينبغي أن يرافق افتتاح الموسم ليس كم طالباً سيدخل الجامعة؟ بل أي جامعة سيدخل إليها هؤلاء الطلبة؟ وماذا ستمنحهم بعد ثلاث أو أربع سنوات؟ ومن هنا يكون الرهان المركزي:

"الدخول الجامعي 2026-2027 ينبغي أن يكون انتقالاً من جامعة تدبر الأعداد إلى جامعة تدبر النتائج؛ ومن جامعة تقيس النجاح بعدد المسجلين والخريجين إلى جامعة تقيسه بجودة المعرفة، وقابلية التشغيل، والإنتاج العلمي، والابتكار، والحكامة، والأثر الاجتماعي". وهذا هو الاختبار الحقيقي لجامعة المغرب في المرحلة المقبلة.