سياسة واقتصاد

إسبانيا تسعى إلى "إعادة تدويل الملفات السيادية المغربية"

محمد خياري
تراكم إسبانيا أدوات ضغط مختلفة على المغرب، يمكن أن تنتج في النهاية واقعاً استراتيجياً جديداً يسمى «إعادة تدويل الملفات السيادية المغربية»، أي نقل عدد من القضايا التي يعتبرها المغرب داخلية أو سيادية إلى المجال الأوروبي والدولي، مثل الصحراء وسبتة ومليلية والهجرة وحقوق الإنسان والهوية الصحراوية والجنسية والرموز الوطنية وصورة المغرب في المؤسسات الدولية. 

إنها حرب هجينة لا تعني بالضرورة حرباً عسكرية، وإنما استخدام مجموعة متزامنة من الأدوات القانونية والإعلامية والدبلوماسية والاقتصادية والسيبرانية وملف الهجرة والضغط السياسي لتحقيق مكاسب سياسية.

تقود هذه الحرب أوساط إسبانية مختلفة رسمية وغير رسنية تدعي دون دليل أن المغرب كان البادئ بها بعدما أعطى الضوء الأخضر لآلاف المهاجرين للهجوم على سبتة ومليلية. وأخطر الأدوات المستعملة لحد الساعة ملف الجنسية الإسبانية للصحراويين؛ بحيث إذا أصبح لدى عشرات الآلاف من الصحراويين وضع قانوني إسباني موحد باعتبارهم أشخاصاً وُلدوا في إقليم كان تحت الإدارة الإسبانية، فإن إسبانيا تكون بذلك قد ساهمت في إعادة بناء جماعة قانونية–تاريخية صحراوية مرتبطة بإسبانيا. وهنا تتحول المسألة من «إسبانيا تمنح الجنسية لأفراد» إلى احتمال بناء «رابطة قانونية وسياسية بين إسبانيا وجزء من الهوية الصحراوية»، وهذا له أثر محتمل على الصراع من خلال تعريف «من هو الصحراوي» ومن يملك حق تمثيل السكان، حتى وإن لم يكن القانون نفسه له تأثير مباشر على المسار الأممي القانوني لقضية الصحراء .

لكن مشروع الجنسية الإسبانية للصحراويين أخطر سياسياً من قيمته القانونية المباشرة؛ لأنه قد يصبح أداة لإعادة إنتاج «المسألة الصحراوية» داخل الفضاء القانوني الأوروبي، وليس فقط داخل الأمم المتحدة. 

على الأرجح، لايريد المغرب نسف العلاقة مع إسبانيا، والسبب بسيط: إسبانيا ليست دولة أوروبية عادية بالنسبة للمغرب. فهناك التجارة والاستثمار والهجرة ومكافحة الإرهاب والأمن والتعاون الاستخباراتي والحدود والجالية المغربية والبحر الأبيض المتوسط والآن أيضاً مشروع كأس العالم 2030. لذلك يمكن فهم الرد المغربي باعتباره «احتواءً تصعيدياً» أكثر منه «تراجعاً»؛ أي أن المغرب يقول عملياً: لن نقطع العلاقةمع معكم لكننا لن نقبل أن تتحول الشراكة إلى أداة للضغط علينا.

وطبعا حوادث منفردة لايمكن ان تحدد «سقف صبر المغرب» لكن بالتأكيد سينفذ عندما تنتقل التصرفات الإسبانية من التوتر السياسي إلى المساس المباشر بالتوازنات الاستراتيجية. 

و هنا يمكن تصور ثلاثة مستويات: 

المستوى الأول قابل للاحتواء: 

ويشمل انتقادات إعلامية وتصريحات برلمانية وحملات سياسية ورموزاً ومواقف أحزاب من اسبانيا ، وغالباً سيستمر المغرب هنا في سياسة الاحتواء.

المستوى الثاني إنذار استراتيجي،: 

ويشمل التجنيس واسع النطاق، وتدخل مؤسسات إسبانية في ملفات الصحراء ودعم مباشر أو غير مباشر لفاعلين انفصاليين أو استعمال سبتة ومليلية بصورة تصعيدية، وهنا يمكن أن نرى تجميداً لبعض آليات التعاون وإعادة تقييم العلاقات وضغطاً دبلوماسياً مضاداً وتدويل بعض الملفات التي تهم المغرب وربما إعادة تعريف الأولويات في العلاقة مع إسبانيا. 

المستوى الثالث هو الخط الأحمر: 

إذا أصبح هناك عمل إسباني رسمي ومباشر يمس الوحدة الترابية المغربية أو يتحول إلى دعم سياسي مؤسسي لانفصال الصحراء أو إلى محاولة فرض أمر واقع في ملفات السيادة المغربية، هنا ستصبح معادلة علاقة المغرب مع اسبانيا مختلفة جذرياً.