يعتمد الدفع الرئيسي المقدم من قبل تحالف "سومار" بالبرلمان، بصفته تجمعا لحوالي 20 تيارا يساريا راديكاليا وجهويا بإسبانيا، لطرح قانون منح الجنسية الإسبانية لمواليد إقليم الصحراء المغربية، على إدراج الأمر ضمن آلية "جبر الضرر" بمرجعيتها الحقوقية كما تحددها المؤسسات الدولية لحقوق الإنسان.
تأويليا، فإن الخلفية المؤطرة لهذا الطرح اليساري الراديكالي الإسباني تشريعيا (التي صوت لصالحها أيضا الحزب الإشتراكي العمالي الحاكم بزعامة بيدرو سانشيز يوم 10 شتنبر 2026)، تتأسس على اعتبار أن "الدولة الإسبانية" قد أخلت بواجباتها تجاه ساكنة وإقليم الصحراء الغربية المغربية كجزء من الأراضي المشمولة بالإستعمار الإسباني حين تنازلت عن ما وصفته ب "إدارة الإقليم" لصالح الدولة المغربية والحكومة الموريتانية بعد "اتفاقية مدريد" ليوم 14 نونبر 1975، بعد المسيرة الخضراء التحريرية التي نفذها المغاربة يوم 6 نونبر 1975.
نحن هنا بإزاء عودة لخطاب استعماري إسباني بلبوس يسارية..
الأمر يثير علامات استفهام عديدة وأسئلة واجبة مختلفة، لعل في القلب منها مساءلة مبدأ "جبر الضرر" نفسه. حيث يحق طرح السؤال البسيط:
- لماذا جبر الضرر فقط للصحراويين المغاربة ضمن الإرث الإستعماري لإسبانيا دون باقي المستعمرات الإسبانية (مثال كوبا التي يعاني شعبها حصارا خانقا منذ سنوات. أو مثال "إمارة أندورا" بسكانها 80 ألف)؟.
بالتالي فإن قرار التصويت كمرحلة أولى تشريعيا من قبل البرلمان الإسباني على قرار منح الجنسية للصحراويين المغاربة يصنف ضمن خانة "إعلان حرب" ضد المغرب من حيث إنه يستهدف بالتحديد الحقوق التحريرية لأراضيه التي توزعتها أكثر من قوة استعمارية أروبية في المسافة الزمنية بين 1889 و1935.
إن الأمر يكاد يترجم عودة إلى مخططات مدريد في الستينات بعد قرار المغرب تسجيل قضية أقاليمه الجنوبية المستعمرة من قبل إسبانيا بهيئة الأمم المتحدة ضمن اللجنة الرابعة لتصفية الإستعمار نهاية 1963. للأسف اتضح في ما بعد أن الأمر كان خطأ من قبل الحكومة المغربية حينها لأنها فسحت المجال لتدويل حقوقه الترابية بشكل مناقض للمسار التحريري المعتمد منذ 1956، الذي كان يتم من خلاله التفاوض بين الدولة المغربية بسلطتها السياسية الشرعية القائمة منذ قرون وبين حكومات الدول المستعمرة لأراضيه تنتهي بتوقيع اتفاقية إلغاء للتواجد الإستعماري تسجل رسميا بهيئة الأمم المتحدة.
كان من ضمن مخططات مدريد لمواجهة ترسانة المطالب المغربية لتحرير الصحراء وعودتها إلى وطنها الأم خلق آلية "الجماعة الصحراوية" سنة 1967 كتنظيم قبلي شكلي الغاية منه شرعنة التواجد الإسباني شعبيا بالإقليم (وهي آلية انقلب فيها السحر على الساحر بعد ذلك سنة 1975 حين التحق رئيس الجماعة الصحراوية بوازع وعيه الوطني المغربي المرحوم خطري سعيد الجماني بالمغرب مما أفشل مخططات جزائرية إسبانية حيكت في لقاء سري بقبو مقر السفارة الجزائرية بمدريد بداية نونبر 1975).
مثلما كان من ضمن مخططاتها إطلاق ما عرف ب "عريضة التوقيعات الشعبية الصحراوية" سنة 1966، التي يعلن منشورها المكتوب بمداد اليد اليمنى للجنرال فرانكو، الأميرال كاريرو بلانكو، أن ساكنة الصحراء متشبثة بالبقاء تحت الحكم الإسباني.
مهم هنا التوقف قليلا عند سيرة العسكري الإستعماري الفرانكي الأميرال البحري بلانكو. فالرجل ليس اسما بسيطا في تاريخ إسبانيا الحديثة ولا في ذاكرة تجربة الحكم العسكري الديكتاتوري للجنرال فرانكو. أساسي التسطير بداية على انتمائه إلى تيار ديني كنسي كاثوليكي متشدد (جماعة "خلق الله" التي ينتمي إلى فرع منها أيضا رئيس الوزراء اليميني الأسبق أزنار)، حيث ظل يؤمن أن له رسالة سماوية لحماية الصليب بخلفية المدرسة الدينية المسيحية القشتالية الكلاسيكية لإيزابيلا وفرديناند المناهضة لكل ما هو مغربي وإسلامي. مثلما يعود إليه الفضل في عدم انزلاق مدريد إلى مساندة المحور الألماني الإيطالي أثناء الحرب العالمية الثانية رغم التوافق الفكري بين هتلر وموسوليني وجماعة فرانكو، بسبب تقريره الشهير الذي حذر فيه من مخطط لندن احتلال جزر الخالدات المقابلة للمغرب في حال دخول بلاده الحرب ضد الحلفاء سنة 1940 (كان هناك تخوف من تكرار محاولة بريطانية لاحتلال العاصمة دكار فشلت بسبب قوة الترسانة البحرية الفرنسية لمجموعة البارجة روشليو المتمركزة بميناء العاصمة السنغالية).
كانت للأميرال الدموي كاريرو بلانكو رؤية سياسية متكاملة لما يجب أن تكون عليه إسبانيا ضمن موقعها الجيو ستراتيجي بمنطق الوصاية العسكرية المتشددة، الأمر الذي مكنه من أن يكون دوما رجل ثقة فرانكو ورفيقه. بل إن تطور مساره الإداري ضمن هيكلة النظام الفرانكي أوصلته إلى رئاسة الوزراء سنة 1973. حيث كان من أضلاع ذلك التطور التسلسلي إداريا إشرافه على مباشرة ملف الصحراء كمستعمرة إسبانية، عمل على وضع خطة طويلة الأمد لجعلها مجالا إسبانيا مستحيل التفريط فيه أو التخلي عنه. العنوان الأكبر لتلك الخطة هو "خلق دويلة تابعة كليا لمدريد بالصحراء"، سعى لوضع الأسس لها مؤسساتيا وشعبيا وحزبيا وجمعويا وماليا بالتوازي مع تعزيز جهاز المخابرات العسكرية بها كقوة قمعية ضاربة. كان في القلب منها خلق "نخبة صحراوية إسبانية خالصة" (اقتنص بعضها المغرب بذكاء من مدريد سنوات 1974 و1975).
سيرتبط كاريرو بعلاقات قوية مع المؤسسة العسكرية الجزائرية أساسا مع الجنرال قاصدي مرباح المزداد سنة 1938 بمدينة فاس المغربية والمغتال سنة 1993 بالعاصمة الجزائر (خاصة على مستوى ملفات "حركة تحرير جزر الخالدات المعارضة" و "حركة إيتا الباسكية الإنفصالية العسكرية المتشددة" و"تقاسم المصالح في الصحراء المغربية كبوابة نحو الأطلسي")، مثلما سيرتبط بعلاقات متميزة مع واشنطن ضمن حسابات الحلف الأطلسي وكذا مع التيارات الإنجيلية المتشددة المتصاعدة بشمال وجنوب القارة الأمريكية.. الأمر الذي أهله طبيعيا ليصبح الخليفة الأبرز للجنرال فرانكو ووريثه السياسي، بل الزعيم القادم للفرانكاوية الديكتاتورية بإسبانيا..
سيضرب هذا المشروع السياسي الفرانكي في مقتل حين استهدفته عملية مسلحة بقلب مدريد وهو يغادر كنيسة "سان فرانسوا دوبرجيا" يوم 20 دجنبر 1973 (ستة أشهر و11 يوما فقط بعد تعيينه رئيسا للحكومة الإسبانية)، من قبل أربعة عناصر من حركة إيتا الباسكية المتطرفة وضعوا قنبلة تزن 75 كلغراما في طريقه. حينها أطلقت عمليا رصاصة الرحمة على النظام الفرانكي بشبه الجزيرة الإيبيرية، مثلما أصيب في مقتل المخطط الإستعماري الإستبدادي الإسباني في الصحراء المغربية..
إن طرح مجموعة "سومار" (بدعم لها تشريعيا من الحزب الإشتراكي الحاكم اليوم) لقانون منح الجنسية الإسبانية لجزء من الصحراويين المغاربة في الصحراء وفي مخيمات تيندوف وفي الشتات الأروبي، إنما يعيد إحياء مخطط الأميرال كاريرو بلانكو الإستعماري الإستبدادي الطامح لتأبيد إسبانية إقليم الصحراء المغربية. المخطط الذي انطلق منذ سنة 1966 مع عريضته الشهيرة التي كانت تلزم أهلنا بالصحراء على التوقيع بالإكراه لإبلاغ الأمم المتحدة رغبتهم في أن يبقوا إسبانا وأنهم ليسوا مغاربة..
ما أشبه اليوم بالأمس.. إسبانيا الإستعمارية تجدد دماءها وتغير جلدها فقط، من أسلوب الأميرال العسكري الديكتاتوري الفرانكي كاريرو بلانكو، إلى أسلوب "سومار" اليسارية بزعامة يولاندا دياز. إنه ذات المخطط بأوجه مختلفة.
بئس اليسار الراديكالي نصير منهج الديكتاتوريات الإستعمارية، وبئس الحسابات السياسية المتهافتة للنخب الحزبية اليوم بإسبانيا (خاصة بالحزب الإشتراكي العمالي الحاكم) التي تستعيد وجه الإستبداد التوسعي الإستعماري الإسباني حين يكون الموضوع جارها الجنوبي (المورو) وحقوق المغاربة المشروعة لتحرير أراضيهم (كل أراضيهم جنوبا وشمالا) من الإرث الإستعماري الإسباني.






