هل ما يزال الانتقال الديمقراطي أفقًا ناظمًا للدولة والمجتمع؟
إذا كانت الحلقة الأولى قد انتهت إلى ضرورة الانتقال من الاطمئنان إلى الوعد الديمقراطي إلى مساءلة شروط استكماله، فإن أول ما ينبغي فحصه هو الزمن السياسي الذي تتحرك داخله الديمقراطية ؛ فالمشاريع السياسية لا تتعثر دائمًا بسبب رفضها الصريح؛ قد تتعثر أيضًا لأن أولويات أخرى تتقدم عليها باستمرار، حتى يصبح ما كان يفترض أن يكون تأجيلًا ظرفيًا ترتيبًا شبه دائم للزمن السياسي ، ومن هنا نقترح التمييز بين اللحظة الوطنية واللحظة الديمقراطية؛ لا باعتبارهما لحظتين متعارضتين، بل بوصفهما منطقين مختلفين في ترتيب الأولويات السياسية.
فاللحظة الوطنية هي تلك التي تستدعي فيها الدولة والمجتمع موارد الوحدة والتعبئة وحماية المشترك في مواجهة قضية يُنظر إليها باعتبارها متصلة بوحدة الوطن أو أمنه أو استقراره أو مصالحه الاستراتيجية. أما اللحظة الديمقراطية فهي التي تتقدم فيها أسئلة توزيع السلطة، واستقلال المؤسسات، والتعدد، والمساءلة، وجودة التشريع والتمثيل، وحرية المجال العمومي، ومشاركة المواطنين في صناعة القرار؛ الأولى تسأل: كيف نحمي المشترك؟ ....والثانية تسأل: كيف نقرر ونختلف ونتحاسب داخل هذا المشترك؟
ولا يوجد، من حيث المبدأ، ما يفرض التضحية بإحداهما لصالح الأخرى.
من أولوية الظرف إلى سلطة الزمن :
المشكلة، إذن، ليست أن تعرف الدولة لحظات وطنية قوية؛ فتاريخ الدول هو، إلى حد بعيد، تاريخ قدرتها على تحديد المخاطر وترتيب الأولويات وتعبئة الموارد لمواجهتها ، وماكس فيبر نفسه يجعل من الدولة الحديثة بناءً مؤسساتيًا يقوم على القدرة والشرعية معًا، بينما يبين نوربرت إلياس أن تشكل الدولة لم يكن حدثًا لحظيًا، بل سيرورة طويلة من تركيز السلطة وإنتاج الاعتماد المتبادل والتنظيم ؛ فالمشكلة تبدأ عندما ننتقل من مشروعية الأولوية إلى ديمومة الأولوية، لأن القضية التي تستدعي تعبئة وطنية في ظرف معين قد تبرر إعادة ترتيب الأجندة السياسية؛ لكن تعاقب القضايا الوطنية يمكن أن ينتج أثرًا أعمق: أن تصبح الديمقراطية هي الملف الذي يستطيع الانتظار دائمًا.
وهنا لا يكون التأجيل قرارًا مكتوبًا، ولا تحتاج الدولة إلى إعلان العدول عن الخيار الديمقراطي. يكفي أن تتغير تراتبية الزمن السياسي: الأمن أولًا، الاستقرار أولًا، التنمية أولًا، الأزمة أولًا، التحدي الخارجي أولًا... بينما تظل الديمقراطية حاضرة في الخطاب باعتبارها أفقًا للتفكير والمتخيل السياسي ، ولكنها لا تحتل دائمًا المرتبة نفسها باعتبارها أولوية ؛ وهكذا يمكن أن يحدث التأخر الديمقراطي من دون إعلان التراجع الديمقراطي.
العقل الدولتي ليس شخصًا :
لكن الحديث عن «العقل الدولتي» يحتاج إلى احتراز منهجي ،
فالدولة ليست شخصًا يفكر بعقل واحد، وليست إرادة متجانسة تتحرك من مركز وحيد ؛ فالمقصود بالعقل الدولتي هو مجموع العقلانيات والمؤسسات والممارسات التي تميل، بحكم وظائف الدولة، إلى إعطاء الأولوية للاستمرار والاستقرار والأمن والنجاعة وحماية المصالح الاستراتيجية.
وهنا تساعدنا أعمال ميشيل فوكو حول العقلانية الحكومية على تجاوز الصورة المبسطة للدولة بوصفها مجرد جهاز للأمر والمنع ؛ فالحكم الحديث يشتغل كذلك من خلال إدارة السكان والمخاطر والموارد والاقتصاد والأمن؛ أي من خلال إنتاج حسابات لما ينبغي تقديمه وما يمكن تأجيله ،
وهذا بالضبط ما يجعل سؤال الديمقراطية أكثر تعقيدًا: فقد لا تكون أمام خصم يرفضها، بل أمام عقلانية ترتيب للأولويات ترى باستمرار أن هناك ما هو أكثر استعجالًا منها.
الاستثناء الذي يخشى أن يصبح اعتيادًا :
ومن هذه الزاوية يمكن استدعاء كارل شميت، ولكن بحذر نقدي شديد، في سؤاله عن الاستثناء ومن يملك تقريره ؛ وليس المقصود إسقاط نظريته على واقعنا، ولا تبني تصوره للسيادة، بل التقاط سؤال صالح للتعميم: من يحدد أن اللحظة استثنائية؟ وبأي معيار؟ وإلى متى؟
وقد ذهب جورجيو أغامبن، من سياق فلسفي وسياسي مختلف، أبعد في التنبيه إلى خطر تمدد الاستثناء حتى يغدو تقنية اعتيادية للحكم ؛ غير أن ما يعنينا ليس القول إننا نعيش «حالة استثناء»، فهذا حكم يحتاج إلى شروطه الدقيقة، وإنما استعارة السؤال نفسه: ماذا يحدث للديمقراطية عندما يصبح منطق الضرورة متكررًا إلى درجة لا يعود معها واضحًا أين ينتهي الظرف وأين تبدأ القاعدة؟
فالضرورة لا تحتاج إلى أن تلغي الديمقراطية حتى تؤثر فيها؛ يكفي أحيانًا أن تجعلها تنتظر ، في سياق حالة طوارئ فعلية !
الوطنية ليست نقيضًا للديمقراطية :
غير أن أخطر ما يمكن أن يقع فيه النقد الديمقراطي هو بناء ثنائية مضادة بين الوطنية والديمقراطية ؛ فالدولة التي تواجه مخاطر حقيقية تحتاج إلى الوحدة والقدرة على القرار، كما يحتاج المجتمع إلى الشعور بوجود مشترك يتجاوز صراعات المصالح. مما يعني أن والوطنية ليست حيلة خطابية بالضرورة، بل مورد من موارد التضامن السياسي ؛ رغم أنها تتماهى مع الملكية كنظام سياسي كحقيقة إعلامية !
لكن السؤال الذي يطرحه التفكير الديمقراطي هو: هل تنتج الوحدة الوطنية مواطنًا مشاركًا أم جمهورًا مطلوبًا منه فقط الالتفاف والتأييد ؟
هنا يفيد غرامشي في التمييز بين السيطرة وبين بناء الرضا، كما يفيد هابرماس في التذكير بأن شرعية الدولة الحديثة لا تستنفدها قدرتها على الإنجاز؛ فالقرار يحتاج أيضًا إلى إمكانية تبريره داخل مجال عمومي يستطيع المواطنون المشاركة فيه بوصفهم ذواتًا سياسية، لا مجرد متلقين للسياسات ؛ ومن ثم يمكن قلب المعادلة: ليست الديمقراطية عبئًا على اللحظة الوطنية ؛ فقد تكون إحدى وسائل تقويتها ؛ فالقرار الوطني الذي يستند إلى الثقة والمشاركة والنقاش العمومي والمؤسسات القوية أكثر قدرة على إنتاج الالتزام من القرار الذي يطلب الوحدة من دون أن يوسع إمكانات المشاركة في صناعتها.
حين تتراكم اللحظات الوطنية :
وتزداد المسألة أهمية في الدول التي تعيش، مثل أغلب الدول المعاصرة، تحت ضغط أزمات متلاحقة: تحولات جيوسياسية، مخاطر أمنية، أزمات اقتصادية، تحولات اجتماعية، تحديات الهجرة والمناخ والتكنولوجيا والسيادة الاقتصادية ؛ ولقد أصبح الاستثناء، بالمعنى الزمني الواسع، أقل استثنائية مما كان عليه.
وهنا تظهر معضلة الديمقراطية المعاصرة: إذا كان علينا انتظار انتهاء الأزمات حتى نستكمل الديمقراطية، فمتى يأتي زمن الديمقراطية؟
فالأزمات لا تصطف في طابور وتنتهي الواحدة قبل أن تبدأ الأخرى؛ ولذلك لا يمكن تصور اللحظة الديمقراطية بوصفها فسحة هادئة بين أزمتين؛ يجب أن تصبح الديمقراطية طريقة لتدبير الأزمات نفسها.
ومن هنا يكون الفرق بين دولة تدير الضرورة بدل الديمقراطية، ودولة تدير الضرورة بالديمقراطية.
من أولوية الوطن إلى وطنية الديمقراطية :
وهذا يقودنا إلى مراجعة معنى «القضية الوطنية» ذاته ، فلماذا نحصر الوطنية في القضايا التي تتصل مباشرة بالتراب والسيادة والأمن والمصالح الخارجية؟ أليست قوة البرلمان قضية وطنية؟ أليست استقلالية المؤسسات وجودة التشريع والثقة في الانتخابات وفعالية المحاسبة قضايا تتعلق بقوة الدولة نفسها؟
أليس ضعف الوساطة السياسية خطرًا على المناعة الوطنية بقدر ما هو خلل ديمقراطي؟
إذا أجبنا بالإيجاب، فإن الحدود التقليدية بين اللحظة الوطنية واللحظة الديمقراطية تبدأ في التململ ثم التغير ؛ حيث تصبح الديمقراطية نفسها جزءً من الأمن السياسي للدولة، لا بالمعنى الأمني الضيق، وإنما بمعنى قدرتها على امتصاص الخلاف ، وإنتاج الثقة، وتصحيح أخطائها، وتجديد نخبها، وتحويل النزاع من الشارع إلى المؤسسة ومن الانفعال إلى التداول ومن القطيعة إلى المشاركة ؛ وعندئذ لا تعود الديمقراطية مطلبًا يأتي بعد استكمال بناء الدولة؛ تصبح إحدى وسائل استكمال بناء الدولة ذاتها.
ولكن أين الأحزاب؟
مع ذلك، سيظل هذا التحليل ناقصًا إذا جعلنا العقل الدولتي الفاعل الوحيد في ترتيب الزمن السياسي ؛ فمن كان يفترض فيه تاريخيًا أن يدافع عن أولوية اللحظة الديمقراطية؟
إنها، في المقام الأول، الأحزاب السياسية و قوى المجتمع المدني والنخب والوسائط التي يفترض أن تحول الخصاص والطلب الاجتماعيين على الحرية والمشاركة والمساءلة إلى مشروع سياسي منظم ؛ فإذا تراجعت الديمقراطية في ترتيب أولويات الدولة، بينما تراجعت في الوقت نفسه داخل أولويات الأحزاب نفسها، فإننا نكون أمام مشكلة أعمق من مجرد اختلال ميزان بين الدولة والمجتمع ، سنكون أمام أزمة حامل المشروع الديمقراطي نفسه ؛ وهنا يفرض السؤال التالي نفسه: هل ما تزال الأحزاب تحمل الديمقراطية باعتبارها مشروعًا تاريخيًا، أم أن اندماجها المتزايد في المنافسة المؤسساتية جعل جزءً من طاقتها ينتقل من تغيير قواعد اللعبة إلى تحسين موقعه داخلها؟
من النضال الديمقراطي إلى سؤال الحامل الديمقراطي :
لقد كان مفهوم استراتيجية النضال الديمقراطي يفترض وجود فاعلين لا يكتفون بالمطالبة بمواقع داخل المؤسسات، بل يحملون تصورًا لتطوير المؤسسات نفسها ، غير أن الاستراتيجية لا تعيش بقوة ذاكرتها ؛ فحين تتغير الأحزاب، ويتغير المجتمع، وتتغير الدولة ، وتتغير أشكال المشاركة والاحتجاج والتواصل، يصبح من المشروع أن نسأل عما إذا كان قد تغير الحامل التاريخي للخيار الديمقراطي بدوره.
وهنا تلتقي نهاية هذه الحلقة ببداية الحلقة التالية ؛ فإذا كان طول اللحظة الوطنية يفسر جانبًا من تأخر اللحظة الديمقراطية، فإن ذلك لا يفسر لماذا لم تستطع الوساطة السياسية إعادة استدعاء الديمقراطية باستمرار إلى صدارة الأجندة ؛ ولذلك لا يكفي أن نسأل الدولة: لماذا تأخرت اللحظة الديمقراطية؟
ينبغي أن نسأل الأحزاب أيضًا: ماذا فعلتم حتى لا تتأخر؟
وهل ظلت الانتخابات وسيلة ضمن استراتيجية أوسع للتحول الديمقراطي، أم أخذت تتحول تدريجيًا إلى غاية تستنزف حولها التنظيمات معظم طاقتها السياسية؟
هنا سنصل إلى مفهوم «الوكالة الانتخابية»، الذي ستختبره الحلقة الثالثة لا بوصفه تهمة، وإنما باعتباره فرضية في سوسيولوجيا الوساطة السياسية ؛ فالانتقال الديمقراطي لا يتعثر فقط عندما تتردد الدولة في دفعه إلى الأمام؛ قد يتعثر أيضًا عندما يفقد المجتمع الفاعل القادر على حمله كمشروع سياسي وفكري ؛ ومن ثم ينتهي سؤال هذه الحلقة إلى مفارقة ربما تكون أشد أهمية من نقطة انطلاقها: إذا كانت القضايا الوطنية لا تنتهي، فهل ينبغي أن تظل الديمقراطية تنتظر انتهاءها؛ أم أن النضج السياسي يبدأ عندما تصبح الديمقراطية نفسها قضية وطنية، وتصبح قوة المؤسسات والثقة والمساءلة والتعدد جزءً من القوة الاستراتيجية للدولة لا عبئًا عليها؟
إحالات فكرية للحلقة
تتحاور هذه الحلقة أساسًا مع ماكس فيبر في الدولة والشرعية والمسؤولية؛ نوربرت إلياس في السيرورات التاريخية لتشكل الدولة؛ ميشيل فوكو في العقلانية الحكومية وإدارة السكان والمخاطر؛ أنطونيو غرامشي في الهيمنة وبناء الرضا؛ ويورغن هابرماس في المجال العمومي والشرعية التداولية.
ويُستدعى كارل شميت وجورجيو أغامبن استدعاءً نقديًا ومحدودًا، لا لإسقاط نظريتي الاستثناء والسيادة على الحالة المغربية، وإنما لاستثمار السؤال الذي تطرحانه حول العلاقة بين الضرورة والاستثناء والزمن السياسي.
الحلقة القادمة:
حين تتحول الوساطة السياسية إلى وكالة انتخابية، من استراتيجية النضال الديمقراطي إلى إدارة المواقع والمقاعد .






