سياسة واقتصاد

سبتة ومليلية المحتلة.. أربعة مآزق إسبانية في غاية الصعوبة والحرج !!

محمد عزيز الوكيلي (إطار تربوي متقاعد)
من مظاهر سخرية التاريخ والجغرافيا، لأنهما يسخران أحيانا كالقدَر، أن يكتشف أبطال الحكايا التاريخية أن عنترياتهم تخفي تحت صخبها البراق واقعاً يجعلهم هم أنفسهم ضحايا تلك العنتريات. هذا النموذج المثير للسخرية والرثاء في آن واحد، نجد تجلياته في الواقع الإسباني ذي الصلة بمسألة تصفية الاستعمار في ثغورنا المحتلة بالذات، التي يمكن اعتبارها من آخر مخلفات الاستعمار في هذا القرن وهذه الألفية، إذا لم تكن آخرها إطلاقاً.

يتجلى ذلك في مآزق أربعة ألقى حكام إسبانيا بأنفسهم داخل كمّاتها، دون إدراكٍ منهم لحد الساعة لأيّ طريقة تمكّنهم من الانعتاق منها بأقل الخسائر، دون إهدار الكرامة، وربما دون إراقة دماء ستذهب هباءً منثوراً لو أنها أريقت أثناء تطوّرات هذا الملف.

المأزق الأول دبلوماسي: 

يتمظهر في هرولة رئيس سلطة الحكم الذاتي في مدينة سبتة المحتلة إلى الاتحاد الأوروبي، ليتسوّل هناك موقفاً مسانداً لإصرار وطنه الأم على الاحتفاظ بالثغور المغربية المحتلة ضدا على التاريخ والجغرافيا. بل قد ذهب إلى بروكسيل ليُلقي خطابا في غاية الغرابة، لأنه استعمل فيه التاريخ بالذات، ليبرر استمرار الاستعمار، وكأنّ طول أمد الاحتلال يُسقِط بالتقادم حق الضحية في المطالبة باسترجاع حقوقه وأراضيه؛

المأزق الثاني اقتصادي:

يتجلى في سقوط سبتة في حفرة تردَّى إليها اقتصادُها، بنسبة تزيد على الخمسين بالمائة، واستمرار هروب المستثمرين الإسبان باتجاه التراب الإسباني الأوروبي، بعد أن بارت تجارتهم من جراء الحصار الاقتصادي، الذي نجح المغرب في إحكامه بواسطة النشاط المتزايد لميناء طنجة المتوسط من جهة، ومن جهة أخرى، بقرب دخول ميناء الناظور قيد العمل، "لتكمل الباهية"، فضلا عن إحكام إقفال منافذ تجارة التهريب، التي كانت تنشط تحت مسمّى "التعيّش" وتسمح لآلاف المغاربة بجلب السلع من سبتة ومليلية، وهو الواقع الذي كان ينتج عنه ضخ ملايين اليوروهات، في جيوب المستثمرين الفارين اليومَ بجلدهم من تلك الهاوية؛

المأزق الثالث سياسي: 

يجعل الحكومة الإسبانية تَحتار بين دعم الحكم الذاتي في الثغور، فتخسر من جراء ذلك شريكاً أوَّلَ هو المغرب؛ أو التخلي عن دعمها لسلطات الاحتلال، والدخول في تفاوض على مستقبل الثغور، فتصطدم بمنتهى العنف مع جماهير الداخل، التي تربت على شرعنة الاحتلال حتى باتت تعتقد أن وطنها يوجد فعلاً فوق جغرافيا قارتين؛

ثم مأزق رابع اجتماعي: 

يجعل الإسبان يتخلون عن أبنائهم في الثغور المغربية المحتلة، فتتعاظم هجرة هؤلاء باتجاه المركز، مما يؤدي إلى ارتفاع نسبة العطالة هناك، مع ما يترتب عن هذه وحدها من الاختلالات البنيوية والاجتماعية.

لقد صمتت الحكومة المركزية في مدريد، وأخذت تتفرج على رئيس سبتة وهو "يتسول" في بروكسيل. لماذا؟ لأنها هي نفسَها كما سبق القول في غاية الحرج، فلا هي قادرة على التدافع بقوة أمام المغرب، ولا هي تجرؤ على التنازل عن عقيدتها الاستعمارية أمام شعب لم يعد يعرف ما يريده منها، ولذلك تركت "أبناءها" في الثغور يواجهون المصير الحالك وحدهم.

المهم أن الرسالة اليوم قد وصلت، دون أن نطلق نحن المغاربة رصاصة واحدة، ودون أن نرفع سلاحاً ولو سكينَ مطبخ، وإنما اكتفينا بأن أغلقنا منفذاً برياً للاتجار غير المشروع، وبنينا ميناءيْن عملاقيْن، ثم جلسنا نتفرّج وننتظر. والآن، ها هي سبتة تكتشف أن "الانتماء لإسبانيا" لا يُطعم خبزاً، وأن "القرب من المغرب" لا يمكن تعويضه بمجرد معاهدة أكل الدهر عليها وشرِب، وهي أقرب إلى عقد كراء وليس أكثر، تماما كما هي الوضعية في صخرة جبل طارق بين الإسبان والإنجليز.

والحال أن هذا ليس انتصاراً بالمفهوم القدحي لربح الرهانات والمعارك، بل هذا منطق جغرافيا فحسب، والجغرافيا، على عكس السياسة، لا تكذب، ولا تتلوّن كالحرباء، ولا تهرول إلى بروكسيل، ولا إلى الأمم المتحدة... الجغرافيا، ومعها التاريخ ذاته، الذي يتشدّق به الإسبان بكل بجاحة، سيُبقيان سبتة ومليلية شاهدتين على أن آخر فلول الاستعمار تموت اختناقاً... وليس بالرصاص إطلاقاً... و... عجبي!!!