رأي

عبد الرفيع حميدي: حين تتحول الطفولة إلى أداة في الحملات الانتخابية

هناك ممارسات انتخابية لا ينبغي أن نعتاد عليها، ولا أن نتعامل معها باعتبارها مجرد تفاصيل عابرة من تفاصيل الحملات، ومن أكثر هذه الممارسات إيلاماً وإثارة للقلق أن تتحول الطفولة إلى أداة للتعبئة السياسية والحزبية، أطفال يُزج بهم في المسيرات، يحملون صور المرشحين وشعارات الأحزاب، يوزعون المنشورات، ويرددون الهتافات، وكأن الحملة الانتخابية لا تكتمل إلا باستعمال براءة الأطفال لتجميل مشهد سياسي فقد كثيراً من بريقه ومصداقيته.

إن الأمر لا يتعلق هنا بمجرد صورة انتخابية أو مشهد عابر في شارع أو حي، نحن أمام سؤال أخلاقي وسياسي وتربوي عميق، أي رسالة نبعثها إلى الطفل عندما نضعه في مقدمة حملة انتخابية بدل أن نضعه في مقدمة المدرسة، أي معنى للمواطنة نعلمه له عندما نطلب منه أن يهتف باسم حزب، بينما لم نوفر له بالضرورة مدرسة جيدة، وفضاءً آمناً، ومكتبة، وملاعب، ونشاطاً ثقافياً، وتعليماً يحترم عقله ويصون كرامته.

المفارقة أن بعض الأحزاب التي تتذكر الطفل في مواسم الانتخابات، وتملأ برامجها بالشعارات المتعلقة بحماية الطفولة وإصلاح التعليم وتكافؤ الفرص، لا تتردد في تحويله، خلال لحظة انتخابية، إلى أداة دعائية مجانية، الطفل الذي يفترض أن يكون موضوعاً للسياسات العمومية يصبح فجأة جزءاً من الآلة الانتخابية، بدل أن تكون السياسة في خدمة طفولته، تصبح طفولته في خدمة السياسة.

وهنا تحديداً ينبغي أن يكون التنديد واضحاً وصريحاً، الطفولة ليست ديكوراً انتخابياً.

ليست الطفولة جوقةً للهتاف، ولا يداً صغيرة لتوزيع المنشورات، ولا وجهاً بريئاً يُستعمل لإضفاء صورة إنسانية على حملة سياسية، الطفل ليس مسؤولاً عن نتائج الانتخابات، وليس معنياً بالمنافسة بين المرشحين، وليس مطلوباً منه أن يحمل أعباء صراع سياسي لم يختره ولم يفهم تعقيداته.

والأخطر من الاستعمال الانتخابي المباشر هو ما يترسخ في وعي الطفل من خلال هذه الممارسات، عندما نُدخل الطفل مبكراً في منطق الاصطفاف الحزبي والهتاف للشخص بدل الفكرة، فإننا لا نعلمه الديمقراطية، وإنما قد نعلمه الولاء قبل التفكير، والتصفيق قبل السؤال، والانتماء قبل الاختيار.

وهذا بالضبط ما يجب أن تخشاه الديمقراطية.فالديمقراطية لا تحتاج إلى أطفال يهتفون في الشوارع، وإنما تحتاج إلى أطفال يتعلمون داخل مدرسة جيدة كيف يفكرون، وكيف يناقشون، وكيف يختلفون، وكيف يحترمون الرأي الآخر، وكيف يمارسون المواطنة بعيداً عن التلقين والاستقطاب.

ثم بأي حق نطلب من الطفل أن يحمل منشوراً انتخابياً بينما نعجز عن ضمان كتاب مدرسي جيد، وبأي منطق نطلب منه أن يهتف للمرشح بينما لا نستطيع أن نضمن له مدرسة تحفظ كرامته، وكيف يمكن لحزب أن يتحدث عن المستقبل، وهو يستعمل أطفال المستقبل كوسيلة في معركة انتخابية آنية٠هذه ليست مفارقة بسيطة؛ إنها أزمة في ترتيب الأولويات.

السياسي الذي يريد أصوات الناخبين عليه أن يقنع الناخبين، والمرشح الذي يريد ثقة المواطن عليه أن يقدم مشروعاً وبرنامجاً وحصيلة، أما استدعاء الأطفال إلى الشارع لتعزيز المشهد الانتخابي فهو، في جانب منه، اعتراف ضمني بفقر الوسائل السياسية حين يصبح حضور البراءة بديلاً عن قوة الإقناع.

والأكثر إدانة أن يتحول هذا السلوك إلى أمر مألوف، فلا يعود أحد يتساءل، ماذا يفعل هؤلاء الأطفال هنا، ومن سمح لهم بالمشاركة، ولماذا أصبح الطفل جزءاً من حملة انتخابية للكبار.

لقد آن الأوان لأن نخرج من ثقافة ما دام الجميع يفعل ذلك فهو أمر عادي، ليس كل ما يتكرر يصبح مقبولاً، وليس كل ما تسمح به الممارسة الانتخابية أخلاقياً أو تربوياً، هناك خطوط ينبغي ألا تتجاوزها السياسة، والطفولة واحدة من أكثر الخطوط وضوحاً.

إن الحزب السياسي الذي يريد فعلاً الدفاع عن الطفل لا يبدأ من الشارع الانتخابي، بل يبدأ من المدرسة، يدافع عن تعليم عمومي جيد، وعن تكافؤ حقيقي للفرص، وعن محاربة الهدر المدرسي، وعن حماية الأطفال من العنف والاستغلال، وعن الثقافة والرياضة، وعن الصحة النفسية، وعن فضاءات عمومية تليق بهم، وعن سياسات تجعل الطفل مواطناً كاملاً في الحقوق، لا مجرد صورة في ملصق انتخابي.

أما أن نتذكر الطفل فقط عندما نحتاج إلى ملء مسيرة أو رفع عدد المشاركين أو توزيع المنشورات، ثم ننساه بمجرد إغلاق صناديق الاقتراع، فهذه ليست سياسة للطفولة، وإنما استغلال رمزي للطفولة في خدمة السياسة.

والأحزاب التي تفعل ذلك مطالبة قبل غيرها بأن تجيب عن سؤال بسيط لكنه ثقيل، هل تريدون بناء مواطن المستقبل، أم تريدون فقط استغلال طفل اليوم.

إن الدفاع عن الطفولة لا يكون بالخطب ولا بالصور ولا بالشعارات، الدفاع عنها يبدأ من احترامها.

اتركوا للأطفال حقهم في أن يكونوا أطفالاً، دعوا لهم المدرسة بدل المنصة الانتخابية، والكتاب بدل المنشور الحزبي، والملعب بدل المسيرة، والسؤال بدل الهتاف، والمواطنة بدل التعبئة.

فالطفل الذي ينبغي أن تصنعه الديمقراطية ليس طفلاً يحفظ أسماء المرشحين ويردد شعاراتهم، وإنما إنسان حر، متعلم، ناقد، قادر على التفكير والاختيار والمساءلة.

أما تحويل الأطفال إلى وقود للحملات الانتخابية، فليس انتصاراً للحزب ولا نجاحاً للحملة، إنه سقوط أخلاقي حين تمتد يد السياسة إلى أكثر الفئات حاجة إلى الحماية.

والسياسة التي تحتاج إلى براءة الأطفال كي تبدو قوية، عليها أن تعيد النظر في قوتها.