رأي

أحمد الحطاب: النقاش والعنف اللفظي

تحرير هذه المقالة، لها سببان. أولُهما، هو أن النقاش الهادئ un débat serein لا يمكن أن يتم se dérouler في جو مشحون بالعنف اللفظي dans une ambiance pleine de violence verbale. فما هو النقاش الهادئ و ما هي شروطُه. النقاش الهادئ، هو النقاش الذي يتم في جوٍّ يسود فيه الاحترامُ المتبادل وتسامح طرفَي النقاش. أما أهم هذه الشروط يمكن تلخيصُها في النقط التالية :

1.أن يستمِعَ المُحاوِر الأول للمُحاورِ الثاني بعناية.

2.أن يكونَ الحوار عقلانيا rationnel، أي ان لا تطغى عليه العواطف les sentiments، وخصوصا، تجنُّب النقاش أثناء فترات الانفعال القوي l"émotion intense، وكذلك، تجنُّب اللجوء إلى الأحكام المسبقة les préjugés أو أحكام القيمة les jugements de valeurs.

3.أن يسودَ بين المتحاورين les deux parties du dialogue تفاهمٌ متبادلٌ une compréhension mutuelle.

4.أن تُتركَ الفرصة لكل مُحاورٍ أن يُكمِلَ كلامَه بدون انقطاع، أي الاستماع له دون توقيفه.

5.أن يتركَّزَ الحوار على الأفكار وليس على شخص المحاوِر وحياته الشخصية.

6.أن يتحكَّم المحاور في أعصابه لما الطَّرف الآخر يلجأ للعنف اللفظي أو المسِّ بالكرامة الشخصية.

7. أن لا يعطيَ أحدُ المحاورَين الأولوية للحديث عن ال"أنا"، تجنُّبا للابتعاد عن موضوع النقاش.

8.إذا كان هناك مَن يُدير النقاشَ، الحرص على توزيع الوقت بالتَّساوي بين المتحاورَين.

9. إذا كان أحد المُحاورَين عنيفاً، لفظياً، يجب على المحاور الآخر أن يُحافِظ على هدوئه ويترك المحاور العنيف حتى يُكمل كلامَه، وبعد ذلك، يحاول أن يهزمَ عنفَه بالأدلة والبراهين، دون رفع الصوت أو الضغط على الطرف الآخر.

10.اعتبار اللجوء إلى العنف اللفظي تعبيرٌ عن ضعف الشخصية أو عن عدم القدرة على مواجهة الأفكار بأفكار مضادة.

11.أن لا يواجهَ العنف اللفظي بعنفٍ لفظي مثله أو بالسُّخرية l"ironie.

12.عدم القيام بأية حركة تفيد أن أحد الطَّرفين يسخر من الطرف الآخر أو يحتقرُه…

هذا هو النقاش الهادئ الذي، من المفروض، أن يسودَ بين المُتحاورين. كنتُ قد قلتُ في بداية هذه المقالة أن تحريرَ هذه المقالة، له سببان.

أول هذين السببين، هو أن النقاشَ الهادئَ لا يمكن أن يتِم في جو مشحون بالعنف اللفظي.

أما السببُ الثاني هو أن أعنف المُحاورين هم علماء وفقهاء الدين، وخصوصا، منهم المُتطرفون والسلفيون. لماذا؟

لأنهم غير قادرين على مواجهة الأفكار بالأفكار، وسرعان ما يكفِّرون الطَّرف الآخر أو يتهمونه بالتَّآمر على الإسلام أو يصفونه بالمأجور الذي يَخدم أجندة أجَنبية.

هذه المواقف، غالِبا ما نسمع إحداها في النقاشات أو المُناظرات الثنائية التي تدور بين عالِمٍ أو فقيهٍ ومثقَّفٍ له دراية في العلوم الدنيوية والدينية، وبما يجري من أحداثٍ في الواقع اليومي للناس، وما يتخلَّل هذا الواقع من مشاكل مختلِفة.

فإذا نطق المثقًّفُ بفكرة لا تتلاءم مع التوجه العقائدي للعالم أو الفقيه، تُوجَّه لهذا المثقف التُّهمَ المشار إليها أعلاه، وعلى رأسها التكفير. في الحقيقة، النقاش، في هذه الحالة، يدور بين العقل la raison والإيمان la foi. والمسافة بينهما كبيرة. العقل يدعِّم أقوالَه بالدلائل والبراهين. أما الإيمان، فليست لديه إلا المعتقدات les croyances.

ولهذا، إما أن يصل النقاش إلى التوافق، وهذا شيء نادرٌ. وإما أن يصلَ هذا النقاش إلى الباب المسدود. وهذا هو ما تنتهي به النقاشات التي تتناول مواضيعَ دينية، وتدور بين عالم دينٍ أو فقيه، من جهة، ومثقف، من جهة أخرى. لماذا يصِل النقاشُ إلى الباب المسدود؟

أولاً، لأن المواجهة تكون، في الحقيقة بين الفكر النقدي la pensée critique والمعتقد la croyance.

ثانياً، العالم يعتمد على الحقيقة المقدسة أو الإلهية la vérité sacrée ou divine بينما الحقيقة التي يعتمد عليها المثقَّف، هي حقيقة تم بناءها بالتَّدريج وقابلة للتطوير والتغيير une vérité construite et évolutive.

ثالثاً، المثقَّف يعطي الأولوية لحقوق الإنسان، بينما العالم يعطي الأولوية للنصوص الدينية.

رابعا، المثقف يربط تفسير أو تأويل النصوص الدينية بتطوُّر الواقع وتغييره، عبر الزمان والمكان، بينما العالم يتشبث بقطعية النصوص الدينية l"indiscutabilité des textes sacrés ou religieux.

خامساً، العالم يُرجِع ما يحدث في المجتمع من فساد، بجميع أنواعه، إلى تراجع الإيمان والتقوى la piété، بينما المثقف يُرجِعه إلى عدم تشغيل العقل…

وفي نهاية المطاف، ينتهي النقاش باتِّهام المثقف بالكافِر أو بالعلماني (علما أن العلمانية ليست، على الإطلاق، ما يروج في تفكير علماء وفقهاء الدين)، أو أحيانا، بالمُلحد الذي هو أعلى درجة من الكافر. الكافر يعرف حقيقة الإسلام، لكنه يتنكَّر لها. أما الملحِد فليس هو المشرك. المشرك يعبد صنما أو حجرا أو الشمس أو النجوم أو النار… بينما الملحد l"athée لا يعترف بوجود الله. ودائما، إلا نادِرا، ينتهي هذا النقاش، كما سبق الذكر، بالباب المسدود. بمعنى أن كل طرف يبقى مُتسبِّثأ، بمنظوره للأشياء.

المثقف يرى الدينَ (الإسلام) ديناً سمحاً tolérant وسطيا emprunte le juste milieu ومُعتدٍلاً modéré، بينما العالم يرى الإسلام، كدين، يجب فرضه على الناس،طواعيةً أو بالإكراه.