الفرحُ عند سبينوزا هو «انتقال الإنسان من كمال أصغر إلى كمال أكبر». وكلمة «الكمال» هنا لا تحيل إلى شيء غامض أو متعال، بل تعني ببساطة قدرتنا على الفعل؛ أي قدرتنا على أن نوجد، وأن نثبُت في الوجود ونتّسع فيه. فأنا أفرح كلّما ازدادت قدرتي على أن أفعل وأفهم وأتواصل مع الآخرين: حين أحلّ بنفسي مسألة صعبة، أو أُتقن عزف لحن جديد، أو أفهم أخيرًا فكرة عجزتُ طويلًا عن فهمها؛ وأحزن كلّما نقصت هذه القدرة: حين أكتشف أنّ ذاكرتي لم تعد تسعفني، أو أنّ صداقةً كانت تغذّيني قد انطفأت. ولهذا فالفرح ليس شيئًا نضيفه إلى الحياة من الخارج، كما نضيف السكّر إلى الشاي، بل هو علامة على أنّ حياتنا تنمو وتتّسع، والحزن علامة على أنّها تتراجع وتنكمش. وبما أنّ كلّ كائن يسعى بطبعه إلى أن يحفظ وجوده ويزيد فيه، وهو ما يسمّيه سبينوزا «الكوناتوس»، أي المثابرة على الوجود، فإنّ الفرح هو شعور الكائن بأنّ هذا السعي ينجح، والحزن شعوره بأنّه يخفق.
ومن هنا القاعدة التي يفاجئ بها سبينوزا رجال الوعظ، الذين طالما مجّدوا الحزن وجعلوا منه طريقًا إلى الفضيلة: الحزن شرٌّ دائمًا في ذاته، لأنّه نقصان في قدرتنا على الفعل؛ وإذا خرج منه خير فذلك بالعرض لا بالطبع، كالمرض الذي قد يعلّمنا الصبر من غير أن يصير المرض نفسه خيرًا. بل إنّ الفرح نفسه يتحوّل إلى شرّ حين ينحصر في جانب ضيق من الإنسان على حساب سائر أبعاده: كفرح السكران الذي يُنعش رأسه ساعةً ويخرّب بدنه سنين، أو فرح المقامر الذي تتّقد أعصابه على الطاولة بينما يتآكل ماله وبيته من تحته، أو فرح الطامع بالجاه الذي يلتذّ بنظرة الإعجاب ثم يصير أسيرَ تلك النظرة. يبدو كلّ ذلك في الظاهر إنعاشًا لصاحبه، بينما هو استنزاف له، وينتهي به إلى حزن أكبر من الحزن الذي فرّ منه.
فالفرح الذي يعتدّ به سبينوزا هو فرح الإنسان كلّه لا فرح عضو منه؛ الفرح الذي يحفظ الصحة الجسدية والنفسية والعقلية معًا، ويزيد القدرة على الوجود والعيش المشترك. وقد عدّد هو نفسه أمثلته بلا تحرّج، في زمن كان فيه العبوس علامة الورع: الطعام الطيّب والشراب باعتدال، والروائح الزكيّة، وخضرة النبات، والزينة، والموسيقى، والألعاب الرياضية، والمسرح، وكلّ ما يستطيع المرء أن يستمتع به من غير ضرر. ولو أردنا أن نُلحق بقائمته ما تعرفه مدننا اليوم لقلنا: رقصٌ إيقاعي في الساحات العمومية يشدّ الأجساد بعضها إلى بعض بدل أن يعزلها؛ كورال جماعي يستعيد صوت التناغم والعيش المشترك؛ منافسات رياضيّة تقوّي البدن وتعلّم قواعد اللعب النظيف في آنٍ واحد؛ مشيٌ طويل في الطبيعة؛ مغامرات مؤطَّرة كتسلّق الجبال أو رحلات الاستكشاف، حيث تُختبَر القدرة من غير أن تُهدَر. والمعيار في ذلك كلّه واحد: أن يخرج الإنسان من فرحه أكثر قدرةً على الفعل والتفاعل، وعلى الفهم والتفاهم.






