"" اعرف نفسك لتدرك حدودك ومواردك؛ واعتنِ بنفسك لكي تحوّل هذه المعرفة إلى اقتدار.""
مقتبس من دروس ميشيل فوكو بموليج دو فرانس،
مجمعة في كتاب " تأويل الذات ".
ليست أخطر لحظات الجماعة تلك التي تفقد فيها قدرتها على الصمود، وإنما تلك التي يصبح فيها تصورها لصمودها أقوى من قدرتها على معرفة شروطه الواقعية ؛ فالجماعات لا تعرف ذاتها معرفة مباشرة، إنها تراها من خلال الذاكرة والخطاب والرموز والانفعالات ونظرات الآخرين ؛ ومن هنا يمكن الحديث عن سلطة المرآة الجماعية: اللحظة التي لا تعود فيها الصورة مجرد وسيط لمعرفة الذات، بل تتحول تدريجيًا إلى مصدر لهذه المعرفة.
وهنا يبدأ السؤال الإبستمولوجي: كيف تعرف الجماعة أنها قوية وموحدة وصامدة؟ وهل ما تراه انعكاس للواقع، أم صورة منتقاة منه، أم سردية أنتجتها عن ذاتها ثم عادت فصدقتها؟
المرآة ليست كذبًا بالضرورة؛ إنها آلية للاعتراف المتبادل حيث ينظر الفرد إلى الجماعة ليستمد منها الطمأنينة والشرعية، وتنظر الجماعة إلى أفرادها لتجد في حماسهم تأكيدًا لقوتها، فيصبح كل طرف مرآة للآخر ؛ ومن هنا تبدأ أيضًا سيكولوجيا المحامي لأنه
المحامي يدخل الأزمة محملًا بذاكرة مهنية من الاستقلال والمقاومة والدفاع عن الحقوق ، وهذه الذاكرة مورد حقيقي للاقتدار، لكنها قد تتحول، إذا لم تخضع للمساءلة، من ذاكرة للمقاومة إلى إلزام بإعادة إنتاج صورة المقاومة نفسها ؛ وعندئذ يظهر ما يمكن تسميته بالنرجسية الجماعية، لا باعتبارها مرضًا نفسيًا، بل فائضًا في الاعتراف بالذات: نحتاج إلى صورتنا كي نصمد، ثم نحتاج إلى استمرار الصمود كي نحمي صورتنا.
حين تتحول المرآة إلى رقابة حيث لا يعود السؤال عندئذ: ماذا أعتقد؟ بل كيف سيبدو موقفي في مرآة الجماعة؟ وهل سيُقرأ التردد تفكيرًا أم ضعفًا؟ وهل يصبح السؤال النقدي تشكيكًا؟ وهل يمكن مراجعة الوسيلة دون أن تُفهم المراجعة باعتبارها تخليًا عن المبدأ؟
هنا يمارس العقل الجمعي رقابته دون حاجة إلى سلطة مركزية؛ فكل فرد يراقب صورته في عيون الآخرين، والآخرون يفعلون الشيء نفسه ، وإن هذا هو التواطؤ غير المقصود للعقل الجمعي: ليس اتفاقًا على إخفاء الحقيقة، وإنما مشاركة متبادلة في حماية الصورة ؛ وتزداد قوة هذه المرآة في زمن التواصل الفوري، حيث قد يتحول فائض الاهتمام إلى فائض انتباه: كل تصريح حدث، وكل اختلاف استفزاز، وكل إشاعة مناسبة جديدة للتعبئة.
وهنا تكتسب فكرة «عبادة المشاعر» دلالتها: لا يكفي أن نشعر، بل نحتاج إلى تكثيف الشعور وإظهاره وتداوله ؛ وقد ينشأ بذلك شره الحماس؛ إذ تحتاج كل جرعة تعبئة إلى جرعة أقوى للحفاظ على حرارة الانفعال: صدمة - انتباه - انفعال - تعبئة - حماس - مزيد من الانتباه ؛ فتزداد المرآة لمعانًا، بينما تتراجع القدرة على رؤية ما وراءها، وقد ننتج بذلك فائضًا من المشاعر بالتوازي مع نقص في التأمل.
من صدمة المشاعر إلى مشاعر الإحساس :
صدمة المشاعر ليست بلا قيمة؛ فهي توقظ التضامن وتحرك إرادة المقاومة، لكنها تضغط الزمن وتدفع إلى الاستجابة السريعة، بينما يحتاج القرار إلى زمن آخر لتأمل والمسافة النقدية والقياس ، لذا ينبغي التمييز بين الانفعال والإحساس ؛ فالانفعال سريع ومكثف وتعبوي ، أما الإحساس فأبطأ وأكثر تركيبًا، لأنه يسمح للمحامي بأن يشعر بحماسه وتعبه معًا، باعتزازه بتاريخ المهنة وحدود حاضرها، وبقوة الجماعة وكلفة الفرد داخلها.
ومن هنا تصبح العودة من صدمة المشاعر إلى مشاعر الإحساس فعلًا معرفيًا، لا مجرد تهدئة نفسية ، لأن التعب معلومة، والقلق معلومة، والتردد والصمت معلومتان، كما أن التضامن والحماس والاستعداد للتضحية معلومات أيضًا. وكلها علامات تحتاج إلى الفهم والتأويل، لا إلى التقديس أو الإدانة ، وهنا تظهر المسافة بين الحقيقة الإعلامية والحقيقة السوسيولوجية؛ فالحقيقة الإعلامية تخبرنا بما ظهر: من حضر؟ من احتج؟ وما حجم التعبئة؟
أما الحقيقة السوسيولوجية فتسأل عما وراء الصورة: من يستطيع الاستمرار؟ من يدفع الكلفة؟ ماذا يعني الصمت؟ كيف تتوزع الهشاشة والموارد؟ وهل وحدة الموقف المعلن تعني وحدة التقدير الداخلي؟
فالمرآة لا تكون خاطئة بالضرورة؛ لكنها تظل جزئية، والخطر أن تتحول الحقيقة الجزئية إلى معرفة كلية بالذات.
أنطولوجيا الهشاشة والاقتدار :
لهذا ينبغي تجاوز صورتين متقابلتين: المحامي البطل الذي لا يتعب، والمحامي الهش الذي لا يستطيع المقاومة ، وبينهما توجد القدرة الإنسانية؛ فالإنسان قادر وهش في الوقت نفسه ، والاقتدار لا يعني غياب الخوف والتعب والتردد، بل انعدام معرفة هذه الحدود وإدارتها وتحويل الموارد المتاحة إلى فعل ممكن ؛ ولذلك قد تصبح الهشاشة، حين تدخل مجال المعرفة، موردًا للاقتدار؛ بينما يؤدي إنكارها تحت ضغط المرآة إلى هشاشة مضاعفة: اولا هشاشة واقعية، وثانيا عجز عن الاعتراف بها ؛ ومن هنا ينبغي كذلك تفكيك الصمود إلى صمود ذاتي وموضوعي وعاطفي وفكري ؛ فقد يرتفع الصمود العاطفي بينما تتراجع شروط الصمود الموضوعي، وقد تبدو الجماعة موحدة بينما يضعف صمودها الفكري إذا أصبحت الأسئلة المزعجة ثقيلة عليها ؛ وإن أخطر أشكال الهشاشة ليس أن تتعب الجماعة، بل أن تفقد قدرتها على الاعتراف بأنها تعبت.
من مشاعر الإحساس إلى اقتصاد المجهود :
لكن السؤال المركزي يتجاوز تشخيص هذه الحالة اي كيف نحول صدمة المشاعر إلى مشاعر الإحساس، ثم نحول هذا الإحساس إلى مادة لاقتصاد المجهود وخزان لمعارك المستقبل؟
إذا كانت المعركة طويلة الأمد، فإن الاقتدار لا يقاس بمقدار الطاقة التي تستطيع الجماعة إطلاقها دفعة واحدة، بل بقدرتها على توزيع طاقتها على الزمن ؛ وهنا يصبح النفس الطويل مفهومًا استراتيجيًا، لا مجرد فضيلة نفسية ؛ فليس كل ما نستطيع تعبئته ينبغي أن نستهلكه ؛ ثم إن اقتصاد المجهود لا يعني الاقتصاد في المبدأ أو تخفيض سقف الحقوق، بل إدارة الموارد النفسية والمادية والتنظيمية والمعرفية والرمزية بما يمنع تحويل الصمود إلى استنزاف ، لأن الإحساس بالتعب يصبح معلومة عن حالة المورد، والتردد إشارة تستوجب الفهم، والقلق مؤشرًا للمخاطر، والصمت واقعة تحتاج إلى تفسير. وهكذا تتحول المشاعر من وقود للاستهلاك الفوري إلى معرفة لصناعة القرار.
من استهلاك الحماس إلى رسملة التجربة :
المعركة التي لا تنتج سوى التعب تستهلك رأسمالها؛ أما التي تنتج إلى جانب نتائجها معرفة وتنظيمًا وخبرة وذاكرة وقدرة على التوقع، فإنها ترسمل تجربتها.
وهنا يصبح السؤال بعد كل محطة: ماذا تعلمنا؟ ماذا نجح؟ ماذا استنزفنا؟ أين ظهرت الهشاشة؟ وما الموارد التي اكتشفناها؟ وما الوسائل التي كشف الواقع حدودها؟
وعندئذ ننتقل من ذاكرة المقاومة إلى معرفة المقاومة ؛ فالأولى تقول: لقد صمدنا ، أما الثانية فتسأل: كيف صمدنا؟ وبأية موارد؟ وبأي ثمن؟ وماذا ينبغي أن نتعلم لكي نصمد بصورة أفضل في المحطة المقبلة؟
ومن هنا يتكون خزان المعارك المستقبلية: خزان نفسي يمنع الإنهاك، وعاطفي يحفظ الأمل دون الارتهان للتهييج، وفكري يصون النقد، وتنظيمي يحافظ على القدرة على التعبئة، ومعرفي يراكم دروس التجربة، ورمزي يحمي الثقة دون تحويلها إلى نرجسية جماعية.
فالسؤال ليس فقط ، كما يصاغ في بيانات عديدة للشباب والمبتدئين ، كم صمدنا حتى الآن؟ بل أيضًا: ماذا بقي لدينا لما سيأتي؟
النفس الطويل وحوكمة المرآة :
هنا يأخذ «النفس الطويل» معناه الحقيقي: ليس احتمال الزمن فحسب، وإنما إدخال الزمن نفسه في صناعة القرار ؛ فالجماعة ذات النفس الطويل تعرف متى تعبئ ومتى تعيد ترتيب مواردها؛ وتفرق بين ثبات الغاية وثبات الوسيلة، لأن استمرار الغاية لا يفرض بالضرورة استمرار الوسيلة نفسها ؛ وقد يصبح تعديل الوسيلة أحيانًا شرطًا لحماية الغاية من الاستنزاف.
ولهذا فالمطلوب ليس كسر المرآة الجماعية؛ فالجماعات تحتاج إلى الذاكرة والرموز والثقة والانتماء ؛ لأن المطلوب هو حوكمة المرآة ، أي إخضاع سردية القوة لاختبار القدرة، والوحدة لاختبار التنوع، والصمود لاختبار الكلفة، والمقاومة لاختبار العلاقة بين الوسيلة والغاية ، وعندئذ ننتقل من سؤال كيف نحافظ على صورتنا؟ إلى سؤال أكثر اقتدارًا: كيف نحافظ على قدرتنا؟
وهكذا يكتمل المسار: صدمة المشاعر - مشاعر الإحساس - معرفة الذات - اقتصاد المجهود - رسملة التجربة - خزان الاقتدار - النفس الطويل.
فالمعارك الطويلة لا تحتاج فقط إلى حماس قوي، بل إلى حماس قابل للتجدد؛ ولا تحتاج إلى ذاكرة تمجد الصمود فحسب، بل إلى معرفة تتعلم منه.
وإن الجماعة الأقوى ليست التي تستنفد قدرتها لإثبات أنها قادرة، وإنما التي تخرج من كل محطة وقد حولت جزءًا من تجربتها إلى رصيد للمحطة التالية ؛ ومن هنا يصبح السؤال التوقعي الملازم لكل قرار: هل ما نفعله اليوم يستهلك قدرتنا على معركة الغد، أم يحول تجربة اليوم إلى خزان لها؟
ذلك هو الانتقال من سيكولوجيا الصمود إلى حوكمة الاقتدار، ومن سلطة المرآة إلى معرفة الذات، ومن إدارة اللحظة إلى إدارة الزمن ، وذلك في سياق تمثل الإقتصاد السياسي للتغيير او الإصلاح بنفس ثوري !
مصطفى المنوزي






